وتوهم كفاية إطلاق دليل البراءة اللفظية لكشف الادعاء اللازم في ظرف
وجود المانع ، غير صحيح على المشهور بينهم : من أنها أصل عملي ( 1 ) ، وأما على ما
سلكناه - من كونه دليلا حاكما على الأدلة الأولية ، وتصرفا في الواقع - فلا بأس به .
ويمكن أن يقال : إن البراءة الشرعية حسب المشهور غير جارية ، ولكن
البراءة العقلية والعقلائية جاريتان ، ضرورة أن المأتي به صلاة وعمرة وحج وهكذا
عند العرف والعقلاء ، وعند وجود المانع نحتاج إلى الادعاء ، وهو غير ثابت ،
فالعقوبة من هذه الناحية في غير محلها .
اللهم إلا أن يقال : إن مقتضى الاستصحاب - لاحتمال وجود المانع - بقاء
الأمر وجواز العقوبة . إلا أن يعارضه استصحاب عدم وجود المانع ، أو مانعية
الموجود ، وهو مقدم على ذلك ، لأنه مسبب عنه . إلا أنه ربما لا يكون للاستصحاب
السببي حالة سابقة ، كما لا يخفى .
أو يقال : إنه مطلقا غير جار ، لكونه مثبتا ، كما تكون البراءة الشرعية مثبتة ،
فلو قلنا بحجية الاستصحاب المثبت - كما هو الأقرب تبعا للشهرة القديمة ، واقتضاء
للصناعة العلمية - لا يكون تقدم هذا الاستصحاب على الاستصحاب الحكمي
واضحا ، لتعارضهما في محط يكون بالنسبة إلى الاستصحاب السببي لازما ،
وبالنسبة إلى الاستصحاب المسببي موردا ، وقد حررنا في التعادل والترجيح إمكان
تقدم أحد العامين من وجه علي الآخر ، إذا كان تعارضهما بهذا النحو ( 2 ) ، فليتأمل .
هذا حكم الاستصحاب الحكمي .
هامش
1 - تقدم في الصفحة 47 .
2 - لم تصل هذه الدورة من بحوثه الأصولية إلى مباحث التعادل والترجيح ولعله ( قدس سره ) قرر هذه
المباحث في المختصر النافع في علم الأصول وهو مفقود أو في رسالة مستقلة لم تصل إلينا .