تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
وإِذا تُتْلى عَلَيْه آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْه وَقْراً فَبَشِّرْه بِعَذابٍ أَلِيمٍ ( 7 ) * ( وَإِذا تُتْلى عَلَيْه آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً ) * متكبرا لا يعبأ بها . * ( كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها ) * مشابها حاله حال من لم يسمعها . * ( كَأَنَّ فِي أُذُنَيْه وَقْراً ) * مشابها من في أذنيه ثقل لا يقدر أن يسمع ، والأولى حال من المستكن في * ( وَلَّى ) * أو في * ( مُسْتَكْبِراً ) * ، والثانية بدل منها أو حال من المستكن في * ( لَمْ يَسْمَعْها ) * ويجوز أن يكونا استئنافين ، وقرأ نافع * ( فِي أُذُنَيْه ) * . * ( فَبَشِّرْه بِعَذابٍ أَلِيمٍ ) * أعلمه بأن العذاب يحيق به لا محالة وذكر البشارة على التهكم .
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ ( 8 ) خالِدِينَ فِيها وَعْدَ اللَّه حَقًّا وهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 9 ) * ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ ) * أي لهم نعيم الجنات فعكس للمبالغة . * ( خالِدِينَ فِيها ) * حال من الضمير في * ( لَهُمْ ) * أو من * ( جَنَّاتُ النَّعِيمِ ) * والعامل ما تعلق به اللام . * ( وَعْدَ اللَّه حَقًّا ) * مصدران مؤكدان الأول لنفسه والثاني لغيره لأن قوله * ( لَهُمْ جَنَّاتُ ) * وعد وليس كل وعد حقا . * ( وهُوَ الْعَزِيزُ ) * . الَّذي لا يغلبه شيء فيمنعه عن إنجاز وعده ووعيده . * ( الْحَكِيمُ ) * الَّذي لا يفعل إلا ما تستدعيه حكمته .
خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وأَلْقى فِي الأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ( 10 ) هذا خَلْقُ اللَّه فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِه بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 11 ) * ( خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ) * قد سبق في « الرعد » . * ( وأَلْقى فِي الأَرْضِ رَواسِيَ ) * جبالا شوامخ . * ( أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ ) * كراهة أن تميد بكم ، فإن تشابه أجزائها يقتضي تبدل أحيازها وأوضاعها لامتناع اختصاص كل منها لذاته أو لشيء من لوازمه بحيز ووضع معينين . * ( وبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ) * من كل صنف كثير المنفعة وكأنه استدل بذلك على عزته الَّتي هي كمال القدرة ، وحكمته الَّتي هي كمال العلم ، ومهد به قاعدة التوحيد وقررها بقوله : * ( هذا خَلْقُ اللَّه فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِه ) * هذا الَّذي ذكر مخلوقه فماذا خلق آلهتكم حتى استحقوا مشاركته ، و * ( ما ذا ) * نصب ب * ( خَلْقُ ) * أو ما مرتفع بالابتداء وخبره ذا بصلته * ( فَأَرُونِي ) * معلق عنه . * ( بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) * إضراب عن تبكيتهم إلى التسجيل عليهم بالضلال الَّذي لا يخفى على ناظر ، ووضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على أنهم ظالمون بإشراكهم .
ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّه ومَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِه ومَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّه غَنِيٌّ حَمِيدٌ ( 12 ) * ( وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ ) * يعني لقمان بن باعوراء من أولاد آزر ابن أخت أيوب أو خالته ، وعاش حتى أدرك داود عليه الصلاة والسلام وأخذ منه العلم وكان يفتي قبل مبعثه ، والجمهور على أنه كان حكيما ولم يكن نبيا . والحكمة في عرف العلماء : استكمال النفس الإنسانية باقتباس العلوم النظرية ، واكتساب الملكة التامة على الأفعال الفاضلة على قدر طاقتها . ومن حكمته أنه صحب داود شهورا وكان يسرد الدرع فلم يسأله عنها فلما أتمها لبسها وقال : نعم لبوس الحرب أنت فقال : الصمت حكم وقليل فاعله ، وأن داود عليه السلام قال له يوما كيف أصبحت فقال أصبحت في يدي غيري ، فتفكر داود فيه فصعق صعقة . وأنه أمره بأن يذبح شاة ويأتي بأطيب مضغتين منها فأتى باللسان والقلب ، ثم بعد أيام أمره بأن يأتي بأخبث مضغتين منها فأتى بهما أيضا فسأله عن ذلك فقال : هما أطيب شيء