تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 45

مساهمون:

ص٤٥
قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً ولا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّه ولَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 188 ) * ( قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً ولا ضَرًّا ) * جلب نفع ولا دفع ضر ، وهو إظهار للعبودية والتبري من ادعاء العلم بالغيوب . * ( إِلَّا ما شاءَ اللَّه ) * من ذلك فيلهمني إياه ويوفقني له ، * ( ولَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وما مَسَّنِيَ السُّوءُ ) * ولو كنت أعلمه لخالفت حالي ما هي عليه من استكثار المنافع واجتناب المضار حتى لا يمسني سوء . * ( إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وبَشِيرٌ ) * ما أنا إلا عبد مرسل للإنذار والبشارة . * ( لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) * فإنهم المنتفعون بهما ، ويجوز أن يكون متعلقا بال * ( بَشِيرٌ ) * ومتعلق ال‍ * ( نَذِيرٌ ) * محذوف .
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِه فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّه رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ( 189 ) * ( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ) * هو آدم . * ( وجَعَلَ مِنْها ) * من جسدها من ضلع من أضلاعها ، أو من جنسها كقوله : * ( جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً ) * . * ( زَوْجَها ) * حواء . * ( لِيَسْكُنَ إِلَيْها ) * ليستأنس بها ويطمئن إليها اطمئنان الشيء إلى جزئه أو جنسه ، وإنما ذكر الضمير ذهابا إلى المعنى ليناسب . * ( فَلَمَّا تَغَشَّاها ) * أي جامعها . * ( حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً ) * خف عليها ولم تلق منه ما تلقى منه الحوامل غالبا من الأذى ، أو محمولا خفيفا وهو النطفة . * ( فَمَرَّتْ بِه ) * فاستمرت به أي قامت وقعدت ، وقرئ « فمرت » بالتخفيف و « فاستمرت به » و « فمارت » من المور وهو المجيء والذهاب ، أو من المرية أي فظنت الحمل وارتابت منه . * ( فَلَمَّا أَثْقَلَتْ ) * صارت ذات ثقل بكبر الولد في بطنها . وقرئ على البناء للمفعول أي أثقلها حملها . * ( دَعَوَا اللَّه رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً ) * ولدا سويا قد صلح بدنه . * ( لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ) * لك على هذه النعمة المجددة .
فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَه شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّه عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 190 ) أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وهُمْ يُخْلَقُونَ ( 191 ) * ( فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَه شُرَكاءَ فِيما آتاهُما ) * أي جعل أولادهما له شركاء فيما آتى أولادهما فسموه عبد العزى وعبد مناف على حذف مضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ، ويدل عليه قوله : * ( فَتَعالَى اللَّه عَمَّا يُشْرِكُونَ ) * . * ( أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وهُمْ يُخْلَقُونَ ) * يعني الأصنام . وقيل : لما حملت حواء أتاها إبليس في صورة رجل فقال لها : ما يدريك ما في بطنك لعله بهيمة أو كلب وما يدريك من أين يخرج ، فخافت من ذلك وذكرته لآدم فهما منه ثم عاد إليها وقال : إني من اللَّه بمنزلة فإن دعوت اللَّه أن يجعله خلقا مثلك ويسهل عليك خروجه تسميه عبد الحرث ، وكان اسمه حارثا بين الملائكة فتقبلت ، فلما ولدت سمياه عبد الحرث . وأمثال ذلك لا تليق بالأنبياء ويحتمل أن يكون الخطاب في * ( خَلَقَكُمْ ) * لآل قصي من قريش ، فإنهم خلقوا من نفس قصي وكان له زوج من جنسه عربية قرشية وطلبا من اللَّه الولد فأعطاهما أربعة بنين فسمياهم : عبد مناف ، وعبد شمس ، وعبد قصي ، وعبد الدار . ويكون الضمير في * ( يُشْرِكُونَ ) * لهما ولأعقابهما المقتدين بهما . وقرأ نافع وأبو بكر « شركا » أي شركة بأن أشركا فيه غيره أو ذوي شرك وهم الشركاء ، وهم ضمير الأصنام جيء به على تسميتهم إياها آلهة .
ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً ولا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ( 192 ) وإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ
أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 45 | عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي / محمد عبد الرحمن المرعشلي