تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣
* ( مَنْ يَهْدِ اللَّه فَهُوَ الْمُهْتَدِي ومَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ) * تصريح بأن الهدى والضلال من اللَّه ، وأن هداية اللَّه تختص ببعض دون بعض ، وأنها مستلزمة للاهتداء والإفراد في الأول والجمع في الثاني باعتبار اللفظ ، والمعنى تنبيه على أن المهتدين كواحد لاتحاد طريقهم بخلاف الضالين ، والاقتصار في الإخبار عمن هداه اللَّه بالمهتدي تعظيم لشأن الاهتداء ، وتنبيه على أنه في نفسه كمال جسيم ونفع عظيم لو لم يحصل له غيره لكفاه وأنه المستلزم للفوز بالنعم الآجلة والعنوان لها . * ( وَلَقَدْ ذَرَأْنا ) * خلقنا . * ( لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ والإِنْسِ ) * يعني المصرين على الكفر في علمه تعالى . * ( لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ) * إذ لا يلقونها إلى معرفة الحق والنظر في دلائله . * ( ولَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ) * أي لا ينظرون إلى ما خلق اللَّه نظر اعتبار . * ( ولَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها ) * الآيات والمواعظ سماع تأمل وتذكر . * ( أُولئِكَ كَالأَنْعامِ ) * في عدم الفقه والإبصار للاعتبار والاستماع للتدبر ، أو في أن مشاعرهم وقواهم متوجهة إلى أسباب التعيش مقصورة عليها . * ( بَلْ هُمْ أَضَلُّ ) * فإنها تدرك ما يمكن لها أن تدرك من المنافع والمضار ، وتجتهد في جلبها ودفعها غاية جهدها ، وهم ليسوا كذلك بل أكثرهم يعلم أنه معاند فيقدم على النار . * ( أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ ) * الكاملون في الغفلة .
ولِلَّه الأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوه بِها وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِه سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 180 ) ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وبِه يَعْدِلُونَ ( 181 ) * ( وَلِلَّه الأَسْماءُ الْحُسْنى ) * لأنها دالة على معان هي أحسن المعاني ، والمراد بها الألفاظ وقيل الصفات . * ( فَادْعُوه بِها ) * فسموه بتلك الأسماء . * ( وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِه ) * واتركوا تسمية الزائغين فيها الذين يسمونه بما لا توقيف فيه ، إذ ربما يوهم معنى فاسدا كقولهم يا أبا المكارم يا أبيض الوجه ، أو لا تبالوا بإنكارهم ما سمى به نفسه كقولهم : ما نعرف إلا رحمان اليمامة ، أو وذروهم وإلحادهم فيها بإطلاقها على الأصنام واشتقاق أسمائها منها كاللات من « اللَّه » ، والعزى من « العزيز » ولا توافقوهم عليه أو أعرضوا عنهم فإن اللَّه مجازيهم كما قال : * ( سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) * وقرأ حمزة هنا وفي « فصلت » * ( يُلْحِدُونَ ) * بالفتح يقال : لحد وألحد إذا مال عن القصد . * ( وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وبِه يَعْدِلُونَ ) * ذكر ذلك بعد ما بين أنه خلق للنار طائفة ضالين ملحدين عن الحق للدلالة على أنه خلق أيضا للجنة أمة هادين بالحق عادلين في الأمر ، واستدل به على صحة الإجماع لأن المراد منه أن في كل قرن طائفة بهذه الصفة لقوله عليه الصلاة والسلام « لا تزال من أمتي طائفة على الحق إلى أن يأتي أمر اللَّه » ، إذ لو اختص بعهد الرسول أو غيره لم يكن فائدة فإنه معلوم .
والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ( 182 ) وأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ( 183 ) أَولَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 184 ) * ( وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ ) * سنستدنيهم إلى الهلاك قليلا قليلا ، وأصل الاستدراج الاستصعاد أو الاستنزال درجة بعد درجة . * ( مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ) * ما نريد بهم وذلك أن تتواتر عليهم النعم فيظنوا أنها لطف من اللَّه تعالى بهم ، فيزدادوا بطرا وانهماكا في الغي حتى يحق عليهم كلمة العذاب . * ( وَأُمْلِي لَهُمْ ) * وأمهلهم عطف على * ( سَنَسْتَدْرِجُهُمْ ) * . * ( إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ) * إن أخذي شديد ، وإنما سماه كيدا لأن ظاهره إحسان وباطنه خذلان . * ( أَولَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ ) * يعني محمدا صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . * ( مِنْ جِنَّةٍ ) * من جنون . روي : أنه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم صعد على