تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 42

مساهمون:

ص٤٢
اليهود بمقتضى الميثاق العام بعد ما ألزمهم بالميثاق المخصوص بهم ، والاحتجاج عليهم بالحجج السمعية والعقلية ومنعهم عن التقليد وحملهم على النظر والاستدلال كما قال : * ( وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) * أي عن التقليد واتباع الباطل .
واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناه آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَه الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ ( 175 ) * ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ ) * أي على اليهود . * ( نَبَأَ الَّذِي آتَيْناه آياتِنا ) * هو أحد علماء بني إسرائيل ، أو أمية بن أبي الصلت فإنه كان قد قرأ الكتب وعلم أن اللَّه تعالى مرسل رسولا في ذلك الزمان ، ورجا أن يكون هو فلما بعث محمد عليه السلام حسده وكفر به ، أو بلعم بن باعوراء من الكنعانيين أوتي علم بعض كتب اللَّه ، * ( فَانْسَلَخَ مِنْها ) * من الآيات بأن كفر بها وأعرض عنها . * ( فَأَتْبَعَه الشَّيْطانُ ) * حتى لحقه وقيل استتبعه . * ( فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ ) * فصار من الضالين . روي أن قومه سألوه أن يدعو على موسى ومن معه فقال : كيف أدعو على من معه الملائكة ، فألحوا حتى دعا عليهم فبقوا في التيه .
ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناه بِها ولكِنَّه أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ واتَّبَعَ هَواه فَمَثَلُه كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْه يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْه يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( 176 ) ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ ( 177 ) * ( وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناه ) * إلى منازل الأبرار من العلماء . * ( بِها ) * بسبب تلك الآيات وملازمتها . * ( ولكِنَّه أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ ) * مال إلى الدنيا أو إلى السفالة . * ( واتَّبَعَ هَواه ) * في إيثار الدنيا واسترضاء قومه وأعرض عن مقتضى الآيات ، وإنما علق رفعه بمشيئة اللَّه تعالى ثم استدرك عنه بفعل العبد ، تنبيها على أن المشيئة سبب لفعله الموجب لرفعه وأن عدمه دليل عدمها دلالة انتفاء المسبب على انتفاء سببه ، وأن السبب الحقيقي هو المشيئة وأن ما نشاهده من الأسباب وسائط معتبرة في حصول المسبب من حيث أن المشيئة تعلقت به كذلك ، وكان من حقه أن يقول ولكنه أعرض عنها فأوقع موقعه * ( أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ واتَّبَعَ هَواه ) * ، مبالغة وتنبيها على ما حمله عليه وأن حب الدنيا رأس كل خطيئة . * ( فَمَثَلُه ) * فصفته التي هي مثل في الخسة . * ( كَمَثَلِ الْكَلْبِ ) * كصفته في أخس أحواله وهو * ( إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْه يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْه يَلْهَثْ ) * أي يلهث دائما سواء حمل عليه بالزجر والطرد أو ترك ولم يتعرض له ، بخلاف سائر الحيوانات لضعف فؤاده . واللهث إدلاع اللسان من التنفس الشديد والشرطية في موضع الحال والمعنى : لاهثا في الحالتين ، والتمثيل واقع موقع لازم التركيب الذي هو نفي الرفع ووضع المنزلة للمبالغة والبيان . وقيل لما دعا على موسى صلَّى اللَّه عليه وسلَّم خرج لسانه فوقع على صدره وجعل يلهث كالكلب . * ( ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ ) * القصة المذكورة على اليهود فإنها نحو قصصهم . * ( لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) * تفكرا يؤدي بهم إلى الاتعاظ . * ( ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ ) * أي مثل القوم ، وقرئ ساء مثل القوم على حذف المخصوص بالذم . * ( الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ) * بعد قيام الحجة عليهم وعلمهم بها . * ( وأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ ) * إما أن يكون داخلا في الصلة معطوفا على كذبوا بمعنى : الذين جمعوا بين تكذيب الآيات وظلم أنفسهم ، أو منقطعا عنها بمعنى : وما ظلموا بالتكذيب إلا أنفسهم فإن وباله لا يتخطاها ، ولذلك قدم المفعول .
مَنْ يَهْدِ اللَّه فَهُوَ الْمُهْتَدِي ومَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 178 ) ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ والإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ولَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ولَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ ( 179 )