والأمر أيضا أمر تكويني وعصيان الشيطان وإبليس أيضا طغيان تكويني ، فإن
جميع الملائكة - إلا ما شذ - تحت سيطرة الإنسان ، وتحت تسخيره وبأمره ،
وآدم متصرف فيهم ويأمرهم وينهاهم ، وهم يفعلون ما يؤمرون ، ولا يعصون آدم
بعد ذلك ، وإبليس كان من تمام هويته الطغيان والعصيان ، وإلى هذه
المائدة إشارة في أول هذه الآية ، حيث شرع فيها بقوله تعالى : * ( وإذ قلنا ) *
وختم الآية بقوله تعالى : * ( وكان من الكافرين ) * من الأول وطبعا بالنسبة
إلى آدم ، لا بالنسبة إلى الله تعالى ، فإنه خاضع وخاشع وعابد له تعالى .
إن قلت : الإباء والاستكبار ظاهران في الاختيار ، وأنه لم يكن من ذوي
الأعذار والاضطرار ، وتصير النتيجة جواز العبادة وانتفاء قبحه ، لأن الامتثال
هي العبادة ، وهو امتثال أمر الله تعالى بالسجدة لآدم .
قلت : ظهور الأفعال في الاختيار محل اشكال ومنع ، كما ثبت ذلك في
الفقه باب الضمانات على إطلاقها ، أفلا ترى أنه يصح أن يقال : أحرقت
النار وأشرقت الشمس . . . وهكذا ، ومن غير كونها مجازا ، فما توهمه الفخر
هنا ( 1 ) - كسائر توهماته - لا أصل له .
هامش
1 - راجع التفسير الكبير 2 : 235 - 236 .