تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 506

مساهمون:

ص٥٠٦
وأما عن الثانية : فلعمري إنها ولو كانت شبهة قوية ، ولكنها تنحل بعدم اشتراط إعجازه في بدو نزوله بإحراز عجز البشر الاستقبالي والبلغاء الآتين في الأعصار الآتية ، بل هو شرط كونه معجزة خالدة ، وإذا ثبت صدقه في أصله يثبت صدقه في خلوده ، وهو المطلوب . وبعبارة أخرى : صدق مقالته الأولية يثبت بالبرهان ، وصدق مقالته الخلودية يثبت بإخباره وإظهاره ، فلا ينبغي الخلط . وللمسألة طور آخر ، فتدبر تعرف . وأما عن الثالثة : فالحق ولو كان كذلك بحسب الإجمال في النوادر الاستثنائية ، إلا أن الكلام في أن هذه النادرة ، هل يعقل أن يكون مبدأ لهذا التحول في العالم ، بإتيان هذه المجموعة في هذه الشرائط وتلك الموانع ، أم يكون ذلك دليل وجود القدرة الأخرى الوسيعة ، فيكون هذه النبوة العالمية دليلا على الغيب والتوحيد ، ودليلا على دخالة الغيب في هذا العالم ، ودليلا على نبوته العامة وصدق مقالاته وصحة كتابه ومضامينه ، لاستناده إلى الغيب الواقف على الأسرار والمجهولات . وبالجملة : لا نعني من بعثة الأنبياء أمرا خارجا عن العالم وحركاته الطبيعية والعادية ، إلا أن أمثال هذه الحركات تحت شرائط ، توجب استناد هذا العالم إلى القدير المتعال طبعا ، وإلا يلزم أمر على خلاف الطبيعة ، ويلزم معلول بلا علة ، ويلزم أمر خارج العادة وخارق الطبيعة . فهربا عن وقوع ذلك لابد من الإقرار باستناده إلى أمر آخر ، ومن الاعتراف بأنه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان يأخذ عن المبادئ الاخر الموجودة في العالم ، القائم بها أمور العالم من قضها إلى قضيضها .