وأما عن الثانية : فلعمري إنها ولو كانت شبهة قوية ، ولكنها تنحل بعدم
اشتراط إعجازه في بدو نزوله بإحراز عجز البشر الاستقبالي والبلغاء
الآتين في الأعصار الآتية ، بل هو شرط كونه معجزة خالدة ، وإذا ثبت صدقه
في أصله يثبت صدقه في خلوده ، وهو المطلوب .
وبعبارة أخرى : صدق مقالته الأولية يثبت بالبرهان ، وصدق مقالته
الخلودية يثبت بإخباره وإظهاره ، فلا ينبغي الخلط . وللمسألة طور آخر ،
فتدبر تعرف .
وأما عن الثالثة : فالحق ولو كان كذلك بحسب الإجمال في النوادر
الاستثنائية ، إلا أن الكلام في أن هذه النادرة ، هل يعقل أن يكون مبدأ لهذا
التحول في العالم ، بإتيان هذه المجموعة في هذه الشرائط وتلك الموانع ،
أم يكون ذلك دليل وجود القدرة الأخرى الوسيعة ، فيكون هذه النبوة
العالمية دليلا على الغيب والتوحيد ، ودليلا على دخالة الغيب في هذا
العالم ، ودليلا على نبوته العامة وصدق مقالاته وصحة كتابه
ومضامينه ، لاستناده إلى الغيب الواقف على الأسرار والمجهولات .
وبالجملة : لا نعني من بعثة الأنبياء أمرا خارجا عن العالم وحركاته
الطبيعية والعادية ، إلا أن أمثال هذه الحركات تحت شرائط ، توجب استناد
هذا العالم إلى القدير المتعال طبعا ، وإلا يلزم أمر على خلاف الطبيعة ،
ويلزم معلول بلا علة ، ويلزم أمر خارج العادة وخارق الطبيعة . فهربا عن
وقوع ذلك لابد من الإقرار باستناده إلى أمر آخر ، ومن الاعتراف بأنه ( صلى الله عليه وآله وسلم )
كان يأخذ عن المبادئ الاخر الموجودة في العالم ، القائم بها أمور العالم
من قضها إلى قضيضها .
تفسير القرآن الكريم — صفحة 506
مساهمون: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني
ص٥٠٦