تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 503

مساهمون:

ص٥٠٣
الاحتمال والإمكان ، وعندئذ لا يمكن الاعتقاد بأنه كتاب لا يتمكن البشر أن يأتي بمثله . نعم إلى زماننا هذا ما تمكن البشر من ذلك ، ولكن إمكان تمكنه غير مسدود جدا . وقد اتفق كثيرا أن مثل شاعر لم يأت في برهة من الزمان ، ثم اتفق ذلك فامسخ شعره بأمثاله كثيرا . وقد اشتهر بين أبناء العصر : أن أمثال النابغة وامرئ القيس وسعدي وحافظ وفردوسي و " مثنوي " لم توجد بعد ، ولكن لا يمكن الحكم بامتناع ذلك في العصر الآتي ، فعندئذ لا يجوز تعليق العقيدة على مثله ، ولا يجوز اتباعه بمجرد عجز أهل مصر في عصر ، كما لا يخفى . وبالجملة : هذا القرآن حسب نظر المسلمين معجزة خالدة ، والحكم بالخلود لا يمكن إلا بعد مضي الأزمنة بتمامها ، وإذا امتنع الحكم عليه بالخلود امتنع الحكم عليه بأنه معجزة من الأول ، لأن التحدي ليس مخصوصا بزمان دون زمان ، فالعجز عن الإتيان بمثله في العصر الأول لا يوجب كونه معجزة من الأول ، كما لا يخفى . الشبهة الثالثة : إن في الطبائع العالية من طبيعة الإنسان إلى طبائع النباتات والجمادات ، مواضع استثنائية وموارد خاصة ، مثلا في طبيعة البشر صفة الشجاعة ، وقلما يوجد هذه الصفة على وجه الكمال إلا في النوادر ، ويسمون بنوادر التأريخ ، فشجعان الفرس والعجم معدودون ، وهكذا سائر الأوصاف والإدراكات والاستعدادات ، فربما يوجد في العالم امرأة تلد عشرا فهي نادرة عصرها وزمانها من هذه الجهة ، وهكذا الأمر في سائر المزايا والخصوصيات المادية والمعنوية ، بل ربما توجد في زوايا الحركات العالمية بعض الاستثنائيات الموجبة لتحير العلماء المتفنن .