تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 437

مساهمون:

ص٤٣٧
ثم إنه بعد مفروضية عجزهم لم يواجههم أيضا إلا بالقضية الشرطية الأخرى * ( فإن لم تفعلوا ) * حتى تكون الهداية أرفق والإرشاد أليق ، ولأجل المحافظة على هذه النكت قال : * ( فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين ) * ، ولم يقل : فاتقوا النار التي وقودها أنتم وآباؤكم واعدت لكم أن كنتم كافرين ، فإن في هذه المخاطبة تبعيدا للمسافة وتشميتا للنفوس التي لا تتحمل هذه الأمور ، فتقع فيما لا يعنيه القرآن ولا منزله تعالى وتقدس . وأما قوله تعالى : * ( ولن تفعلوا ) * فقد جئ به بنحو الجمل الاعتراضية ، وفيه من اللطافة ما لا يخفى ، ضرورة أن الإنسان بعدما يجد ضعفه وعجزه عن أمر ، يحصل في نفسه الإقرار الابتدائي بذلك العجز ، ثم بعد ذلك يشرع القوى الشيطانية في إيجاد الوسوسة وخلق الوهم ، وأنه يقتدر عليه بعد ذلك ، وأن هذا ليس أمرا عظيما ، بل هو كذا وكذا ، وعندئذ وحين ذاك لابد للخطيب البليغ توجيه الأمة إلى الحق ، بتذكيرهم بعجزهم الدائم ، ولزوم رفضهم هذه التخيلات والأوهام ، مع رعاية الاختصار ، حتى لا يقع في نفوسهم إلا اللطف والمحبة والرأفة والشفقة ، ليكونوا من الخاضعين والراكعين له تعالى . الوجه الخامس حول عدم دلالة الآية على التعجيز قد اشتهر بين النحاة والأصوليين : أن هيئة الأمر قد تأتي للتعجيز ، وتبين لنا فسادها ، وأن هيئة الأمر ليست إلا لمعنى واحد ، وتختلف الدواعي ،