تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 436

مساهمون:

ص٤٣٦
ومن ناحية أخرى : أن الأنسب أن يدعوهم إلى أن يأتوا بما هو أقل قليل في ذات القرآن ، ولو كان أكثر كثير بالقياس إلى المعاندين ، المدعين : أنه ليس بشئ عجيب يعجز عنه البشر ، ويخضع له الإنسان ، ولذلك دعاهم إلى أن يأتوا بسورة ، وهي ثلاث آيات ، ولا يدعوهم هنا أن يأتوا بمثل القرآن ، أو بعشر سور مفتريات حتى يتوهموا أنه شئ كثير خارج عن قدرتهم لكثرته . ومن ناحية ثالثة : أرشدهم إلى أن يتخذوا المعاونين والشاهدين المؤيدين والناصرين لهم المحركين إياهم إلى الشرك والإلحاد والإنكار ، وكأنه يستفاد من الآية أنهم طائفتان : إحداهما تظهر للمقابلة معه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، والأخرى تعينهم بالغيب ومن وراء الحجاب ، ويؤيد هذه الصفوف المختلفة ما مر في قوله تعالى : * ( وإذا خلوا إلى شياطينهم ) * ، وقد مر تحقيقه في محله . فبالجملة : هذه الآية اشتملت على جهات الأدب في المخاصمة والمحاجة ، كما أنها مشتملة على نكات الفصاحة والبلاغة ، مع رعاية جميع الجهات المنتهية إلى ضعفهم وفتورهم عن تمكنهم من الإتيان بمثل سورة الكوثر ونحوها ، فضلا عن مثل سورة البقرة وأمثالها . ومن هنا يظهر : أن قوله تعالى : * ( إن كنتم صادقين ) * أيضا سيق لإفادة أن كذبهم غير واضح وعجزهم غير قطعي ، ويحتمل صدقهم في دعواهم الريب ، وتخيلهم إمكان الاقتدار على الإتيان بمثله ، ولا يواجههم بغلظة وشدة حتى يحركهم إلى التوغل في عقائدهم الباطلة ، فإنه خروج عن الإرشاد والهداية المطلوبين من القرآن العزيز والنبي العظيم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وكن - أيها القارئ - مثله في دعوتك .