تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 205

مساهمون:

ص٢٠٥
ومن تلك الوجوه ، وهو أهمها : أنه سبحانه خالق الدواعي التي تستلزم المعاصي ، وتلك لحكمة النظام ومصلحة الخلائق في معيشة الدنيا ، وفي التمدن والحضارة التي تكون الناس مجبولة عليها ، ضرورة أن الناس لو كانوا كلهم صالحين مؤمنين خائفين من عقاب الله ، لاختل نظام الدنيا ، وبطل أسباب الحياة الظاهرة . ولا ريب أن حصول الدواعي ليس تحت اختيار العباد ، وإلا لكان للدواعي داع آخر ، ويعود الكلام جذعا ، فيتسلسل ، أو ينتهي إلى داع حصل بخلق الله تعالى ، فإذا كان هو الخالق للدواعي الشيطانية التي توجب المعاصي ، فيكون هو الملجئ إليه ، فيقبح منه تعالى أن يعاقبهم عليها ، كما هو الظاهر الواضح ( 1 ) . فعلى هذا تحمل الآيات الظاهرة في العذاب على مجرد الإرهاب والإرعاب ، من غير استتباع للعذاب والعقاب ، لعدم استحقاقهم شيئا منها ، وظهور هذه الآية في الاستحقاق غير قابل للاعتقاد به ، وغير صالح للتمسك والركون إليه ، أو تكون محمولة على أن نفس الطبع والختم والغشاوة هو العذاب العظيم الذي لهم فعلا ، بل هذا الاحتمال قوي لظهور الجملة في الفعلية ، أي ولهم عذاب عظيم بالفعل وفي الحال ، وليس هو إلا نفس الابتداء بتلك الحجب العقلانية والسمعية والبصرية . أقول : اختار صاحب " الحكمة المتعالية " في حل المشكلة سبيل التحقيق الإيماني في حقيقة العقوبة ، وأنها من ناحية الأعمال وتبعاتها والنتائج وثمراتها ، ولا يلحق العذاب ولا العقوبة الكفار من جهة
هامش
1 - التفسير الكبير 2 : 55 .