تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 463

مساهمون:

ص٤٦٣
وخصوصياته ، حتى تنجو من المهالك الآتية ، والعقبات التي تنتظرك من قريب وإن تظنها - نعوذن بالله - بعيدة . وتفكر في آياته ، وانظر كيف يهديك في نهاية اللطف ، وكيف يقوم بهدايتك في غاية الإعزاز والتكريم ، فيقول في صورة الأدب * ( يؤمنون بالغيب ) * ، أي هم إذا استشعروا يتوجهون إلى لزوم ذلك ، من غير احتياجهم إلى الأمر فيؤمنون بالغيب ، ويهذبون ذواتهم وفطرتهم المخمورة بالإيمان بالغيب ، وبعقد القلب على تركيز الغيب في قلوبهم ، ثم يقومون لترسيخ ذلك بإقامة الصلاة والأعمال البدنية ، وتهذيب البدن ومزاجه الطبيعي بالصلاة ، التي هي الحركات المعتدلة المناسبة للمحافظة على مزاجه وعلى صحته ، فإن الصلاة مرقاة أهل القلوب ، وميدان أرباب الصراع ، فهي أس كل شئ إن قبلت قبل ما سواها ، وإن ردت رد ما سواها . ثم بعد الفراغ من التهذيبين - التهذيب الروحاني القلبي والتهذيب المادي البدني - يشرع في تهذيب غيره بإنفاق ما عنده ، فإن رحى الاجتماع تدور عليهم ، ومسؤولية عائلة البشر متوجهة إلى هؤلاء السالكين المهذبين ، فعليهم تنظيم الأمور بمقدار الميسور ، فينفقون ما عندهم حتى يتمكنوا من أن يعيشوا في ظل ذلك الإنفاق والإعطاء . فالأمر بالإنفاق من غير نظر إلى خصوصية في كيفية من كيفياته ، ليس إلا لأجل أن الإنفاق - من كل شئ على كل شخص في كل حال وزمان - من الأمور الحياتية ومن المصالح الاجتماعية ، التي بمراعاتها تبقى الحياة الفردية ، ويحصل التهذيب الفرداني ، ويتمكن الإنسان من القيام بالعيش الوحداني ، فما ترى من العمومات والإطلاقات المختصة بهذه الكريمة - أي بقوله تعالى : * ( ومما رزقناهم ينفقون ) * - ليس إلا لأجل