ثم دعا لوط ربه فقال " رب نجني وأهلي مما يعملون " أي من عاقبة
ما يعملونه ، وهو العذاب النازل لهم فأجاب الله دعاءه وقال " فنجيناه وأهله
أجمعين " يعني من العذاب الذي وقع بهم . وقد يجوز أن يكون أراد النجاة من
نفس عملهم ، بأن يفعل لهم من اللطف ما يجتنبون مثل افعالهم ، وتكون النجاة
من العذاب النازل بهم تبعا لذلك . واستثنى من جملة أهله الذين نجاهم " عجوزا "
فإنه أهلكها . وقيل : انها كانت امرأة لوط تدل قومه على أضيافه " في الغابرين "
يعني الباقين . فيمن هلك من قوم لوط ، لأنه قيل : هلكت هي فيما بعد مع من خرج
عن القرية بما أمطر الله عليهم من الحجارة . وقيل أهلكوا بالخسف ، وقيل
بالائتفاك وهو الانقلاب . ثم أمطر على من كان غائبا منهم عن القرية من
السماء حجارة قال الشاعر في الغابر :
فماونا محمد مذ أن غفر * له الاله ما مضى وما غبر ( 1 )
وقال الشاعر :
لا تكسع الشول باغبارها * انك لا تدري من الناتج ( 2 )
فأعبارها بقية لبنها في اخلافها ، والغابر الباقي في قلة ، كالتراب الذي يذهب
بالكنس ، ويبقى غباره : غبر يغبر ، فهو غابر ، وغبر الجص بقيته . وغبر من
الغبار تغبيرا ، وتغبر تغبرا . والعجوز المرأة التي قد أعجزها الكبر عن أمور
كثيرة ، ومثله الكبيرة والمسنة .
وقوله " ثم دمرنا الآخرين " فالتدمير هو الاهلاك بأهوال الأمور ، دمره
تدميرا ، ومثله تبره تتبيرا ، ودمر عليه يدمر دمرا إذا هجم عليه بالمكروه
هامش
( 1 ) مر تخريجه في 6 / 344 و 7 175
( 2 ) تفسير القرطبي 13 / 133