الباقون بلا ميم .
اخبر الله تعالى عن أحد الرجلين اللذين ضرب بهما المثل ، وهو صاحب
الجنتين انه دخل جنته وهي البستان الذي يجنه الشجر ويحفه الزهر ، " وهو ظالم لنفسه "
أي باخس لها حقها بارتكاب القبيح والاخلال بالواجب اللذين يستحق بهما العقاب
ويفوته بهما الثواب ، فلما رأى هذا الجاهل ما راقه وشاهد ما أعجبه ، وكبر في نفسه
توهم أنه يدوم ، وأن مثله لا يفنى ، فقال " ما أظن أن تبيد هذه أبدا " أي تهلك
هذه الجنة أبدا " وما أظن الساعة قائمة " يعني يوم القيامة أي تقوم ، كما يدعيه
الموحدون . ثم قال " ولئن رددت إلى ربي " وجدت " خيرا منها " يعني من الجنة .
ومن قرأ " منهما " أراد الجنتين " منقلبا " أي في المرجع إليه . وإنما قال هذا مع
كفره بالله تعالى ، لان المعنى ان رددت إلى ربي ، كما يدعى من رجوعي ، فلي خير من
هذه ، تحكما سولته له نفسه ، لا مطمع فيه . وقال ابن زيد : شك ، ثم قال على شكه في
الرجوع إلى ربه ما أعطاني هذه الأولى عنده خير منها " فقال له صاحبه وهو يحاوره "
أي يراجعه الكلام " أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا "
ومعنى خلقك من تراب أن أصلك من تراب إذ خلق أباك آدم ( ع ) من تراب ، فهو
من تراب ويصير إلى التراب ، وقيل لما كانت النطفة يخلقها الله بمجرى العادة من
الغذاء ، والغذاء نبت من التراب ، جاز أن يقال : خلقك من تراب ، لان أصله تراب
كما قال من نطفة ، وهو في هذه الحال خلق سوي حي ، لكن لما كان أصله كذلك جاز
أن يقال ذلك .
وفى الآية دلالة على أن الشك في البعث والنشور كفر ، والوجه في خلق البشر
وغيره من الحيوان وتنقله من تراب إلى نطفة ، ثم إلى علقة ، ثم إلى صورة ، ثم إلى
طفولية ، ثم إلى حال الرجولية ، ما في ذلك من الاعتبار الذي هو دال على تدبير مدبر
التبيان في تفسير القرآن — صفحة 43
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص٤٣