وقال الجبائي : معناه إلى أمم بعد هؤلاء يكلفهم فيعصونه فتقتضي الحكمة إهلاكهم
وإقامة القيامة . وقال الرماني : معناه إلى جماعة معدودة بأنه ليس فيها من يؤمن
فإذا صاروا إلى هذه الصفة أهلكوا بالعذاب ، كما أهلك قوم نوح في الدنيا .
وأهلكوا بعذاب الآخرة لكونهم على هذه الصفة .
وقوله " ليقولن ما يحبسه " فالحبس المنع بالحصر في خباء . ويقال حبس الماء
إذا منع من النفوذ . وحبس السلطان الرزق إذا معنه . وحبس عنهم العذاب إذا منع
من اتيانهم إلى الأجل المعلوم . والتقدير ما الذي يمنع من تعجيل هذا العذاب
الذي نتوعد به ؟ فقال الله تعالى " ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم " ومعناه ان
هذا العذاب الذي يستبطئونه إذا نزل بهم في الوقت المعلوم لا يقدر على صرفه أحد
عنهم ولا يتمكنون من اذهابه عنهم إذا أراد الله ان تأتيهم به . وقوله " وحاق بهم
ما كانوا به يستهزئون " معناه انه نزل بهم الذي كانوا يسخرون منه من نزول
العذاب ويتحققونه .
قوله تعالى :
ولئن أذقنا الانسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤس
كفور ( 9 ) آية
أقسم الله تعالى في هذه الآية انه لو أحل تعالى بالانسان رحمة من عنده يعني
ما يفعله الله تعالى بهم في الدنيا من الأرزاق ، فإنه يعم بها خلقه كافرهم ومؤمنهم .
ثم نزعها منه وسلبها ، وسمى احلال اللذات بهم إذاقة تشبيها ومجازا ، لان الذوق
في الحقيقة تناول الشئ بالفم لا دراك الطعم ، والانسان حيوان على الصورة الانسانية
لان الصورة الانسانية بانفرادها قد تكون للتمثال ولا يكون انسانا فإذا اجتمعت
الحيوانية والصورة لشئ فهو انسان . قال الرماني : وكلما لا حياة فيه فليس بانسان
التبيان في تفسير القرآن — صفحة 453
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص٤٥٣