أخبر الله تعالى أنه ليس يتبع أكثر هؤلاء الكفار إلا الظن الذي لا يجزي
شيئا ، من تقليد آبائهم رؤسائهم . ثم قال تعالى " إن الظن لا يغني من الحق شيئا "
لان الحق إنما ينتفع به من عرفه وعلمه حقا ، لان الظن حقيقة ما قوي كون المظنون
عند الظان على ما ظنه مع تجويز أن يكون على غيره ، فإذا كان معه تجويز كون
المظنون على خلاف ما ظنه ، فلا يكون مثل العلم . وقد يكون للظن حكم إذا قام على
ذلك دليل إما عقلي أو شرعي ، ويكون صادرا عن إمارات معروفة بالعادة والخبر
أورده إلى نظيره عند من قال بالقياس ، وكل ذلك إذا اقترن به دليل يوجب العمل
به ، وكل موضع يمكن أن يقوم عليه دليل ويعلم صحته من فساده فلا يجوز أن
يعمل فيه على الظن ، لان بمنزلة من ترك العلم وعمل على ظن غيره . وقوله " ان
الظن لا يغني من الحق شيئا " معناه انه لا يقوم العلم مع وجوده أو امكان
وجوده ، وإنما يعبد الله في الشرع في مواضع بالرجوع إلى الظن مع أنه كان يمكنه
أن ينصب عليه دليلا يوجب العلم لما في ذلك من المصلحة . وقوله " إن الله عليم
بما يفعلون " فيه ضرب من التهديد ، لأنه أخبر أنه تعالى يعلم ما يفعلونه ولا يخفى
عليه منه شئ فيجازيهم على جميعه : على الطاعة بالثواب وعلى المعصية بالعقاب .
قوله تعالى :
وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن
تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من
رب العالمين ( 37 ) آية .
نفى الله تعالى في هذه الآية أن يكون هذا القرآن الذي أنزله على نبيه
محمد صلى الله عليه وآله مفترى من دون الله والافتراء الاخبار على القطع بالكذب ، وهو
مأخوذ من فري الأديم ، وهو قطعه بعد تقديره . والقرآن عبارة عن هذا الكلام
التبيان في تفسير القرآن — صفحة 377
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص٣٧٧