والرزق العطاء الجاري يقال : رزق السلطان الجند ، الا ان كل رزق ، فالله رازق
به ، لأنه لو لم يطلقه على يد الانسان لم يجئ منه شئ . والواحد منا يرزق غيره
إلا أنه لا يطلق اسم رازق إلا على الله ، كما لا يقال : ( رب ) بالاطلاق إلا في الله
وفي غيره يقيد . ، فيقال رب الدار ورب الفرس . ويطلق فيه ، لأنه يملك الجميع
غير مملك ، وكذلك هو تعالى رازق الجميع غير مرزوق ، ولا يجوز أن يخلق الله
حيوانا يريد تبقيته إلا ويرزقه ، لأنه إذا أراد بقاءه فلا بدله من الغذاء ، فإن لم
يرد تبقيته كالذي يولد ميتا فإنه لا رزق له في الدنيا . وقوله " أم من يملك السمع
والابصار " يعني من الذي له التصرف فيها بلا مانع يمنعه منها وان شاء أصحها وان
شاء أمرضها . و " من يخرج الحي من الميت " معناه من الذي يخلق الحيوان
ويخرجه من أمه حيا سويا إذا ماتت أمه " ويخرج الميت من الحي " يعني من
يخرجه غير تام ولا بالغ حد الكمال . وقيل : معناه انه يخرج الحي من النطفة ، وهي
ميتة ويخرج النطفة من الحي . وقيل : يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن .
و " من يدبر الامر " اي ومن الذي يدبر جميع الأمور في السما والأرض ؟
وليس جواب ذلك لمن انصف ولم يكابر الا ان يقول : الله الفاعل لجميع ذلك .
وإذا قالوا ذلك واعترفوا به قيل لهم " أفلا تتقون " ومعناه فهلا تتقون خلافه
وتحذرون معاصيه ؟ وفي الآية دلالة على التوحيد ، لان ما ذكره في الآية يوجب
أن المدبر واحد ولا يجوز أن يقع ذلك اتفاقا ، لإحالة العقل ذلك ، ولا يجوز أن
يقع بالطبيعة ، لأنها في حكم الموات لو كانت معقولة ، فلم يبق بعد ذلك إلا أن
الفاعل لذلك قادر عالم يدبره على ما يشاء ، وهو الله تعالى ، مع أن الطبيعة مدبرة
- مفعولة - فكيف تكون هي المدبرة . وإنما دخلت ( أم ) على ( من ) لان ( من )
ليست أصل الاستفهام بل أصله الألف ، فلذلك جاز الجمع بينهما .
التبيان في تفسير القرآن — صفحة 371
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص٣٧١