من معجزاته صلى الله عليه وآله لأنه لا يمكن معرفة مثل ذلك إلا بوحي من الله تعالى ، فسار
رسول الله في العقبة وحده وأمر الناس كلهم بسلوك بطن الوادي وكانوا اثني عشر
رجلا أو خمسة عشر رجلا على الخلاف فيه . وعرفهم واحدا واحدا عمار بن ياسر
وحذيفة ، وكان أحدهما يقود ناقة رسول الله والاخر يسوقها ، والحديث مشروح
في كتاب الواقدي . وقال أبو جعفر عليه السلام كانوا ثمانية من قريش وأربعة من العرب
وقوله " وهموا بما لم ينالوا " قيل فيه ثلاثة أقوال :
أحدهما - قال مجاهد : هم المنافقون بما لم يبلغوه من التنفير برسول الله .
الثاني - قال قتادة : هموا بما ذكر في قوله " ليخرجن الأعز منها الأذل "
فلم يبلغوا ذلك .
والثالث - عن مجاهد أنهم هموا بقتل من أنكر عليهم ذلك . وقال بعضهم :
كان المنافقون قالوا : لو رجعنا وضعنا التاج على رأس عبد الله ابن أبي ، فلما
أوقفوا على ذلك حلفوا بأنهم ما قالوا ذلك ولا هموا به ، فأخبر الله تعالى عن حالهم
انهم يحلفون بالله ما قالوا ، ثم اقسم تعالى بأنهم قالوا ذلك ، لان لام لقد لام القسم
وانهم قالوا كلمة الكفر ، وهي كل كلمة فيها جحد لنعم الله أو بلغت منزلتها في
العظم ، وكانوا يطعنون في الاسلام والنبوة ، وأخبر انهم هموا بما لم يبلغوه . والهم
مقاربة الفعل بتغليبه في النفس تقول : هم بالشئ يهم هما ، ومنه قوله " ولقد همت
به وهم بها لولا رأى " ( 1 ) وليس الهم من العزم في شئ إلا أن يبلغ نهاية العزم
في النفس . والنيل لحوق الامر . ومنه قوله ( نال السيف ونال ما اشتهى أو قدر أو
تمنى ) فهؤلاء قدروا في أنفسهم من كيد الاسلام ما لم يبلغوه .
وقوله " وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله " يعني ما فتح الله
عليهم من الفتوح وأخذ الغنائم واستغنوا بعد أن كانوا محتاجين وقيل في معناه
قولان : أحدهما - انهم عملوا بضد الواجب فجعلوا موضع شكر الغنى أن نقموا
هامش
( 1 ) سورة 12 يوسف آية 24 .