فأخبر ، ثم جزم على جواب الجزاء ، لأنها شرط وليس كذلك الجواب ،
لأنه قد يكون بالفاء ولا يجوز اضمار الفعل في شئ من حروف المجازاة إلا في " إن "
لأنها أم الباب ، وهي الأصل الذي يلزمه ، قال الشاعر :
فان أنت تفعل فللفاعلين أنت المجيرين تلك الغمارا ( 1 )
واما قول الشاعر :
فمتى واغل ينبهم يحيوه * ويعطف عليه كأس الساقي
فإنما هو ضرورة ، لا يجوز مثله في الكلام قال الفراء " استجارك " في
موضع جزم ، وانه فرق بين الجازم والمجزوم ب " أحد " وذلك جائز في " ان "
خاصة وقد يفرق بينهما وبين المجزوم بالمنصوب والمرفوع ، فالمنصوب مثل قولك :
إن أخاك ضربت ظلمت ، والمرفوع مثل قوله تعالى " إن امرؤ هلك ليس له ولد " ( 2 )
امر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله انه متى استجارك أحد من المشركين الذين أمرتك
بقتالهم اي طلب منه الجار في رفع الأذى عن صاحبه . وقيل : المعنى ان استأمنك
أحد فأمنه " حتى يسمع كلام الله " والمشرك يصح ان يسمع كلام الله على الحقيقة
لان حكاية كلام الله يطلق عليه الاسم بأنه كلام الله لظهور الامر فيه ، ولا يحتاج
ان يقدر أصل له ، كما يقال : كلام سيبويه وغيره . ومن ظن أن الحكاية تفارق
المحكي لأجل هذا الظاهر فقد غلط ، لان المراد ما ذكرناه فيما يقال في العرف انه
كلام الله . وقوله " ثم أبلغه مأمنه " فالابلاغ النصير إلى منتهى الحد . والابلاغ
والأداء نظائر . وفي الآية دلالة على بطلان قول من قال : المعارف ضرورية لأنها
لو كانت كذلك لما كان لطلب ما هو عالم به معنى . ومعنى قوله " لا يعلمون "
اخبار عن جهلهم في افعالهم ، لا انهم لا يعقلون ، وإنما أراد لا ينتفعون بمثله .
ولا يعرفون مالهم وعليهم من الثواب والعقاب .
هامش
( 1 ) معاني القرآن 1 / 422 . نسبه للكميت .
( 2 ) سورة 4 النساء آية 175