منها إلى جهة مكة ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه نزلوا بالجانب الأدنى إلى
المدينة . وقريش نزلت بالجانب الأقصى منها إلى مكة فنزلا الوادي بهذه الصفة ،
قد اكتنفا شفيريه . وقوله " والركب أسفل منكم " يعني أبا سفيان وأصحابه في
موضع أسفل منكم إلى ساحل البحر . وإنما نصب أسفل ، لان تقديره بمكان
أسفل . فهو في موضع خفض ، ونصب لأنه لا ينصرف وكان يجوز الرفع على تقدير
والركب أشد سفلا منكم ، ومن نصب يجوز أن يكون أراد والركب مكانا أسفل
منكم بجعله ظرفا . والذي حكيناه ، هو قول الحسن ، وقتادة ، وابن إسحاق
ومجاهد والسدي .
واصل الدنيا الدنو بالواو ، بدلالة قولهم دنوت إلى الشئ أدنو دنوا ، فقلبت
الواو ياء . ولم تقلب مثل ذلك في القصوى ، لأنه ذهب بالدنيا مذهب الاسم في قولهم
الدنيا والآخرة ، وإن كان أصلها صفة ، فخففت . لان الاسم أحق بالتخفيف .
وتقول : أدناه ادناء واستدناه استدناء ، وتدانوا تدانيا . وداناه مداناة . و ( العلو )
قرار تحته قرار . و ( السفل ) قرار فوقه قرار ، تقول : سفل يسفل سفلا ، وتسفل
تسفلا وتسافل تسافلا وسفل تسفيلا ، وسافله مسافلة ، وهو الأسفل ، وهي
السفلى .
وقوله " ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد " والمواعدة وعد كل واحد من
الاثنين الاخر وتواعدوا تواعدا . و ( الاختلاف ) مذهب كل واحد من الشيئين
في نقيض الاخر ، ومنه الاختلاف في الميعاد لذهاب كل واحد من الفريقين فيما
يناقض الميعاد من التقدم والتأخر والزيادة والنقصان عما انعقد به الميعاد .
وقيل : اختلافهم في الميعاد بمعنى " لو تواعدتم " أيها المؤمنون على الاجتماع في
الموضع الذي اجتمعتم فيه ثم بلغكم كثرة عددهم مع قلة عددكم لتأخر تم فنقضتم
الميعاد ، في قول ابن إسحاق . ووجه آخر " ولو تواعدتم " من غير لطف الله لكم
" لاختلفتم " بالعوائق والقواطع فذكر الميعاد لتأكيد امره في الاتفاق ولولا
التبيان في تفسير القرآن — صفحة 127
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص١٢٧