فمضى وقدمها وكانت عادة * منه إذا هي عودت أقدامها ( 2 )
فأنث الاقدام لتأنيث ( عادة ) . وقوله : " ثم لم تكن فتنتهم " أي لم
تكن بليتهم التي ألزمتهم الحجة وزادتهم لائمة الا قولهم .
ومعنى الآية : أنه تعالى لما ذكر قصص هؤلاء المشركين الذين كانوا مفتنين
بشركهم ، أعلم النبي صلى الله عليه وآله أن افتتانهم بشركهم ، وإقامتهم عليه لم يكن الا
أن تبرءوا منه ، وقالوا انهم ما كانوا مشركين ، كما يقول القائل إذا رأى إنسان
انسانا يحب غاويا فإذا وقع في هلكة تبرأ منه فيقول له ما كانت محبتك لفلان
الا أن انتفيت منه .
فان قيل : كيف قالوا وحلفوا أنهم ما كانوا مشركين - وقد كانوا
مشركين - وهل هذا إلا كذب ، والكذب قبيح ولا يجوز من أهل الآخرة أن
يفعلوا قبيحا ، لأنهم ملجؤون إلى ترك القبيح ، لأنهم أو صح لم يكونوا ملجئين
وكانوا مختارين ، وجب أن يكونوا مزجورين عن فعل القبيح ، وإلا أدى إلى
اغرائهم بالقبيح وذلك لا يجوز ، ولو زجروا بالوعيد عن القبائح لكانوا مكلفين
ولوجب أن يتناولهم الوعد والوعيد ، وذلك خلاف الاجماع ، وقد وصفهم الله
تعالى أيضا بأنهم كذبوا على أنفسهم ، فلا يمكن جحد أن يكونوا كاذبين ، فكيف
يمكن أن يرفع ذلك ؟ وما الوجه فيه ؟
والجواب عن ذلك من وجوه :
أحدها - ما قاله البلخي : إن القوم كذبوا على الحقيقة ، لأنهم كانوا
يعتقدون أنهم على الحق ، ولا يرون أنهم مشركون ، كالنصارى ومن أشبههم ،
فقالوا في الموقف ذلك . وقيل : ان يقع بهم العذاب فيعلموا بوقوعه أنهم كانوا
على باطل فيقولوا " والله ربنا ما كنا مشركين " وهم صادقون عند أنفسهم
وكذبهم الله في ذلك ، لان الكذب هو الاخبار بالشئ لا على ما هو به ، علم
المخبر بذلك أو لم يعلم ، فلما كان قولهم " والله ربنا ما كنا مشركين " كذبا في
هامش
( 2 ) اللسان ( قدم ) وروايته ( عردت ) بدل ( عودت ) .