الحقيقة جاز أن يقال لهم " أنظر كيف كذبوا على أنفسهم . قال البلخي :
ويدل على ذلك قوله " وضل عنهم ما كانوا يفترون " أي ذهب عنهم وأغفلوه ،
لأنهم لم يكونوا نظروا نظرا صحيحا ولم يجاروا في نظرهم الألف والعادة ،
فيعلموا في هذا الوقت أن قولهم شرك ، ولو صاروا إلى العذاب لعلموا أنهم
كانوا مشركين ، واستغنوا بذلك ، لكن هذا القول يكون عند الحشر . وقيل :
الجزاء بدلالة أول الآية . وقال مجاهد : قوله " أنظر كيف كذبوا على أنفسهم "
تكذيب من الله إياهم .
وقال الجبائي : قولهم " والله ربنا ما كنا مشركين " اخبار منهم أنهم لم
يكونوا مشركين عند أنفسهم في دار الدنيا ، لأنهم كانوا يظنون أنهم على الحق ،
فقال الله تعالى مكذبا لهم " أنظر " يا محمد " كيف كذبوا على أنفسهم " في
دار الدنيا ، لا أنهم كذبوا في الآخرة ، لأنهم كانوا مشركين على الحقيقة ، وان
اعتقدوا أنهم على الحق . وقوله : " وضل عنهم ما كانوا يفترون " أي ضلت
عنهم أوثانهم التي كانوا يعبدونها ويفترون الكذب بقولهم : إنها شفعاؤنا عند
الله غدا ، فذهبت عنهم في الآخرة فلم يجدوها ، ولم ينتفعوا بها .
وقال قوم : انه يجوز أن يكذبوا يوم القيامة للذهول والدهش ،
لأنهم يصيرون كالصبيان الذين لا تمييز لهم ولا تحصيل معهم - اختاره أحمد
ابن علي بن الاخشاد . وأجاز النجار أن يكفروا في النار فضلا عن وقوعه قبل
دخولهم فيها ، وهذا بعيد . والوجهان الأولان أقرب .
وقيل فيه وجه آخر ، وهو أنهم أملوا أملا فخاب أملهم ولم يقع الامر على
ما أرادوا ، لان من عادة الناس أنهم إذا عوقبوا بعقوبة فتكلموا واستعانوا
وصاحوا فان العذاب يسهل عليهم بعض السهولة ، وظنوا أن عذاب الآخرة
كذلك ، فقالوا : " والله ربنا ما كنا مشركين " وقالوا " ربنا ظلمنا أنفسنا " ( 1 )
هامش
( 1 ) سورة 7 الأعراف آية 22
( 2 ) سورة 23 المؤمنون آية 107 .