والصغر والصغار الذلة ، يقال : صغر الرجل يصغر صغرا وصغارا إذا ذل ،
وأصله صغر القدر .
وقوله تعالى " وألقى السحرة ساجدين " إنما جاء على ما لم يسم فاعله
لامرين :
أحدهما - أنه بمعنى ألقاهم ما رأوا من عظيم آيات الله بأن دعاهم إلى
السجود لله والخضوع له .
الثاني - أنهم لم يتمالكوا أن وقعوا ساجدين ، فكأن ملقيا ألقاهم ،
ولم يكن ذلك على وجه الاضطرار إلى الايمان ، لأنه لو كان كذلك لما مدحوا
عليه بل علموا ذلك بدليل ، وهو عجزهم من ذلك مع تأتي سائر أنواع السحر
منهم . والالقاء اطلاق الشئ إلى جهة السفل ونقيضه الامساك ، ومثله
الاسقاط والطرح . ومعنى الآية البيان عن حال من تيقن البرهان ، فظهر منه
الاذعان للحق والخضوع بالسجود لله تعالى ، ولم يكن ممن تعامى عن الصواب
وتعاشى عن طريق الرشاد .
وقوله تعالى " قالوا آمنا برب العالمين " حكاية لما قالت السحرة عند
تبينهم الحق ووقوعهم للسجود لله تعالى واعترافهم بأنهم آمنوا برب العالمين
الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما وخلق موسى وهارون ، والقول
كلام يدل على الحكاية ، ولو قيل : ( تكلموا ) لم يقتض حكاية كلامهم على
صورته ، فإذا قيل : ( قالوا ) اقتضى حكاية كلامهم . والايمان هو التصديق
الذي يؤمن من العقاب ، وهو التصديق بما أوجب الله عليهم . وقال الرماني :
يجوز أن يقال لله أنه لم يزل ربا ولا مربوب ، كما جاز لم يزل سميعا ولا
مسموع ، لأنه صفة غير جارية على الفعل كما تجري صفة مالك على ملك
يملك ، فالمقدور هو المملوك . وأصل الصفة ب ( رب ) التربية وهي تنشئة
الشئ ، حالا بعد حال حتى يصير إلى حال التمام والكمال ، ومنه رب النعمة
يربها ربا إذا تممها ، وربي الطفل تربية ، والله تعالى رب العالمين المالك لهم
ولتدبيرهم .
التبيان في تفسير القرآن — صفحة 506
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص٥٠٦