تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التبيان في تفسير القرآن — صفحة 506

مساهمون:

ص٥٠٦
والصغر والصغار الذلة ، يقال : صغر الرجل يصغر صغرا وصغارا إذا ذل ، وأصله صغر القدر . وقوله تعالى " وألقى السحرة ساجدين " إنما جاء على ما لم يسم فاعله لامرين : أحدهما - أنه بمعنى ألقاهم ما رأوا من عظيم آيات الله بأن دعاهم إلى السجود لله والخضوع له . الثاني - أنهم لم يتمالكوا أن وقعوا ساجدين ، فكأن ملقيا ألقاهم ، ولم يكن ذلك على وجه الاضطرار إلى الايمان ، لأنه لو كان كذلك لما مدحوا عليه بل علموا ذلك بدليل ، وهو عجزهم من ذلك مع تأتي سائر أنواع السحر منهم . والالقاء اطلاق الشئ إلى جهة السفل ونقيضه الامساك ، ومثله الاسقاط والطرح . ومعنى الآية البيان عن حال من تيقن البرهان ، فظهر منه الاذعان للحق والخضوع بالسجود لله تعالى ، ولم يكن ممن تعامى عن الصواب وتعاشى عن طريق الرشاد . وقوله تعالى " قالوا آمنا برب العالمين " حكاية لما قالت السحرة عند تبينهم الحق ووقوعهم للسجود لله تعالى واعترافهم بأنهم آمنوا برب العالمين الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما وخلق موسى وهارون ، والقول كلام يدل على الحكاية ، ولو قيل : ( تكلموا ) لم يقتض حكاية كلامهم على صورته ، فإذا قيل : ( قالوا ) اقتضى حكاية كلامهم . والايمان هو التصديق الذي يؤمن من العقاب ، وهو التصديق بما أوجب الله عليهم . وقال الرماني : يجوز أن يقال لله أنه لم يزل ربا ولا مربوب ، كما جاز لم يزل سميعا ولا مسموع ، لأنه صفة غير جارية على الفعل كما تجري صفة مالك على ملك يملك ، فالمقدور هو المملوك . وأصل الصفة ب‍ ( رب ) التربية وهي تنشئة الشئ ، حالا بعد حال حتى يصير إلى حال التمام والكمال ، ومنه رب النعمة يربها ربا إذا تممها ، وربي الطفل تربية ، والله تعالى رب العالمين المالك لهم ولتدبيرهم .
التبيان في تفسير القرآن — صفحة 506 | الشيخ الطوسي / أحمد حبيب قصير العاملي