ويجوز في قوله " ما لكم من إله غيره " ثلاثة أوجه من العربية : الجر
على اللفظ ، والرفع على الموضع ، وقد قرئ بهما ، وقد بيناه فيما مضى ،
والنصب على الاستثناء والحال ، ولم يقرأ به . ويجوز عند الفراء الفتح على
البناء ، لأنه أجاز ما جاءني غيرك ، ومنع منه الزجاج . وقال : إنما يجوز
ذلك إذا أضيف إلى غير متمكن إضافة غير حقيقية ، كما قال الشاعر :
لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت * حمامة في غصون ذات أو قال ( 2 )
وقوله " أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره " قد بيناه فيما مضى .
وقوله " قد جاءتكم بينة من ربكم " فالبينة العلامة التي تفصل الحق
من الباطل من جهة شهادتها به . والبيان هو إظهار المعنى للنفس الذي يفصله
من غيره حتى يدركه على ما يقويه كما يظهر نقيضه ، فهذا فرق بين البينة والبيان .
وقوله " هذه ناقة الله لكم آية " فالناقة الأنثى من الجمال والأصل فيها
التوطئة والتذليل من قولهم بعير منوق أي موطأ مذلل ، وتنوق في العمل أي
جوده كالموطأ المذلل . والناق الحز بين ألية الابهام وطرفها ، لأنه وطأبه
لقبض الكف وبسطها . وإنما قال " ناقة الله " لأنه لم يكن لها مالك سواه
تعالى . ونصب " آية " على الحال . والآية هي البينة العجيبة بظهور الشهادة
ولطف المنزلة . والآية والعبرة والدلالة والعلامة نظائر . والآية التي كانت
في الناقة خروجها من صخرة ملساء تمخضت بها كما تتمخض المرأة ثم انفلقت
عنها على الصفة التي طلبوها ، وكان لها شرب يوم تشرب فيه ماء الوادي كله
وتسقيهم اللبن بدله ، ولهم شرب يوم يخصهم لا تقرب فيه ماءهم ، في قول
أبي الطفيل ، والسدي وابن إسحاق .
وقوله " فذروها " أي اتركوها " تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء "
يعني بعقر أو نحر " فيأخذكم عذاب أليم " أي ينالكم عذاب مؤلم .
هامش
( 2 ) اللسان ( وقل ) وأو قال : جمع وقل ، وهو ثمار شجر المقل .