" فريقا هدى " . وقوله " وفريقا حق عليهم الضلالة " لتقابل فريقا هدى
بعطف فعل على فعل ، وتقديره وفريقا أضل إلا أنه فسره ما بعده نظير قوله " يدخل
من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما " ( 1 ) . وقال الفراء : نصب
فريقا على الحال ، والعامل فيه ( تعودون ) فريقا ، والثاني عطف عليه ، ولو
رفع على تقدير أحدهما كذا ، والاخر كذا ، كان جائزا كما قال " قد كان
لكم آية في فئتين التقتا : فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة " ( 2 ) والهدي
والاضلال في الآية يحتمل أربعة أوجه :
أحدها - أنه حكم بأن هؤلاء مهتدون مدحا لهم ، وحكم بأن أولئك
ضالون ذما لهم .
الثاني - الدلالة التي انشرح بها صدور هؤلاء للاهتداء ، وضاقت بها
صدور أولئك لشدة محبتهم لما هم عليه من مذهبهم .
الثالث - هدى بأن لطف لهؤلاء بما اهتدوا عنده ، وصار كالسبب
لضلال أولئك بتخيرهم لينتقلوا عن فاسد مذهبهم .
الرابع - أنه هدى هؤلاء إلى طريق الثواب . وأولئك لعمى والاضلال
عنه بالعقاب في النار .
وقوله " انهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله " اخبار منه تعالى انه
فعل بهم ما فعل من الضلال ، لأنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ،
والاتخاذ الافتعال من الاخذ بمعنى اعداد الشئ لامر من الأمور ، فلما أعدوا
الشياطين لنصرتهم ، كانوا قد اتخذوهم أولياء باعدادهم .
وقوله " ويحسبون انهم مهتدون " يعني هؤلاء الكفار يظنون أنهم
مهتدون . والحسبان والظن واحد ، وهو ما قوي عند الظان كون المظنون
على ما ظنه مع تجويزه أن يكون على غيره ، فبالقوة يتميز من اعتقاد التقليد
والتخمين ، وبالتجويز يتميز من العلم ، لان مع العلم القطع .
هامش
( 1 ) سورة 76 الدهر آية 31 .
( 2 ) سورة 3 آل عمران آية 13 .