وقوله " فتكونا من الظالمين " يحتمل أن يكون نصبا على جواب النهي .
والثاني - أن يكون جزما عطفا على النهي ، فكأنه قال لا تقربا هذه
الشجرة ، ولا تكونا من الظالمين . ومعنى " الظالمين " على مذهبنا المراد به
الباخسين نفوسهم ثوابا كثيرا ، والمفوتين نعيما عظيما . ومن قال : إنهما ارتكبا
قبيحا قال : ظلما أنفسهما بارتكاب القبيح . وعلى مذهب من يقول بأن ذلك
كانت صغيرة وقعت مكفرة لابد أن يحمل الظلم ههنا على نقصان الثواب
الذي انحبط بمقارنة الصغيرة له ، فأبو علي : ذهب إلى أن ذلك وقع منه
نسيانا . وقال البلخي وقع منه تأويلا ، لأنه نهي عن جنس الشجرة فتأوله
على شجرة بعينها ، وهذا خطأ ، لان ما يقطع سهوا أو نسيانا لا يحسن المؤاخذة
به . وأما الخطأ في التأويل فقد زاد من قال ذلك قبيحا آخر . أحدهما ارتكاب
المنهي . والثاني الخطأ في التأويل به .
قوله تعالى :
فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من
سوآتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا
ملكين أو تكونا من الخالدين ( 19 ) آية بلا خلاف .
قرأ يحيى بن كثير ويعلى بن حكيم " إلا أن تكونا ملكين " بكسر اللام
من قوله " هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى " الباقون بفتح اللام .
أخبر الله تعالى أنه لما نهى آدم وزوجته عن أكل الشجرة وسوس لهما
الشيطان . والوسوسة الدعاء إلى أمر بضرب خفي كالهمهمة والخشخشة .
قال رؤبة مراجعة :
وسوس يدعو مخلصا رب الفلق * سرا وقد أون تأوين العقق ( 1 )
هامش
( 1 ) ديوانه : 108 واللسان ( ؟ ؟ ) وهو من أرجوزة يصف بها صائدا
مختفيا يرتقب حمر الوحش .