فهو مخاطب وإن كان متكلما ، فهو متكلم كقولك : نحن منطلق أجمعون
عامدون ، لان الاتباع قد دل على ذلك .
قوله تعالى :
ويا آدم أسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما
ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ( 18 ) اية بلا خلاف .
في هذه الآية حكاية خطاب الله تعالى لادم وأمره إياه أن يسكن هو
وزوجه حواء الجنة . واختلفوا في الجنة التي أسكن الله آدم فيها .
فقال قوم : إنها جنة الخلد ، لان الجنة إذا أطلقت معرفة بالألف واللام
لا يعقل منها في العرف إلا جنة الخلد ، كما أن السماوات والأرض إذا أطلق
لم يعقل منه إلا السماوات المخصوصة دون سقف البيت .
وقوله " وزوجك " إنما جاء به على لفظ التذكير ، لان الإضافة أغنت
عن ذلك وأبانت عن المعنى ، فكان الحذف أحسن ، لأنه أوجز يقال : لصاحب
المنزل ساكن فيه ، وإن كان يتحرك فيه أحيانا للتغليب ، لان سكونه فيه أكثر ،
بجلوسه ونومه في ليله . وغير ذلك من أوقاته ، وأباح الله تعالى لهما أن يأكلا
من حيث شاءا ، وأين شاءا ما شاءا ، ونهاهما على وجه الندب ألا تقربا
هذه الشجرة .
وعندنا إن ذلك لم يكن محرما عليهما بل نهاهما نهي تنزيه دون حظر
وبالمخالفة فاتهما ثواب كثير ، وإن لم يفعلا بذلك قبيحا ، ولا أخلا بواجب .
ومن خالفنا قال أخطأ في ذلك على خلاف بينهم بأن ذلك صغيرة أو كبيرة .
ومن قال كانت صغيرة ، منهم من قال : وقع ذلك منه سهوا ونسيانا . ومنهم
من قال : وقع ذلك تأويلا من حيث نهي عن جنس الشجر ، فحمله على شجرة
بعينها ، فأخطأ في التأويل . وقد بينا فساد ذلك فيما مضى ( 1 ) .
هامش
( 1 ) في المجلد الأول ص 160 - 164 .