يهبط منها ، وما بعد القول وإن كان استئنافا والفاء لا يستأنف بها وإنما يكون
كذلك ، لان ما قيل له بعد جوابه الذي أجاب به ، فهو حكاية ما كان من
الكلام له الثاني بعد الأول .
والهبوط والنزول واحد . وفرق بينهما بأن النزول يقتضي تنزله إلى
جهة السفل بمنزلة بعد منزلة ، وليس كذلك الهبوط ، لأنه كالانحدار
في المرور إلى جهة السفل ، وكأن الانحدار دفعة واحدة ، كما قال الشاعر :
كل بني حرة مصيرهم * قل وإن أكثروا من العدد
إن يغبطوا يهبطوا وإن * أمروا يوما فهم للفناء والفند ( 1 )
وقيل في الضمير الذي في قوله " منها " قولان :
أحدهما - قال الحسن : إنه كناية عن السماء ، لأنه كان في السماء
فاهبط منها .
الثاني - قال أبو علي : كناية عن الجنة .
فان قيل من أين علم إبليس أن الله تعالى قال له هذا القول ؟
قلنا عنه جوابان : أحدهما - قال أبو علي : إنه قال له على لسان
بعض الملائكة .
الثاني - أنه رأى معجزة تدله على ذلك .
وقوله " فما يكون لك أن تتكبر فيها " معناه ليس لك أن تتكبر فيها ،
والتكبر إظهار كبر النفس على جميع الأشياء ، فهو في صفة العباد ذم ، وفي
صفة الله مدح ، كما قال تعالى " الجبار المتكبر " ( 2 ) فالجبار القاهر لجميع
الأشياء . والمتكبر الدال بذاته على أنه أكبر من جميع الأشياء . وقوله " فأخرج
إنك من الصاغرين " أمر من الله لإبليس بالخروج ، لأنه من الصاغرين .
والصاغر هو الذليل بصغر القدر ، صغر يصغر صغرا وصغارا ، وتصاغرت إليه
نفسه ذلا ومهانة ، والأصل الصغر .
هامش
( 1 ) قائلة لبيد وقد مر في 1 / 73
( 2 ) سورة 59 الحشر آية 23 .