وقوله " وما ربك بغافل عما يعملون " إنما ذكره ليعلموا انه لا يفوته شئ
منهما ولا من مراتبهما حتى يجازي عليه بما يستحق من الجزاء ، وفيه تنبيه
وتذكير للخلق في كل أمورهم .
والغفلة ذهاب المعنى عمن يصح ان يدركه . والغفلة عن المعنى والسهو
عنه والغروب عنه نظائر ، وضد الغفلة اليقظة ، وضد السهو الذكر ، وضد
الغروب الحضور .
قوله تعالى :
وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف
من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين ( 133 )
آية بلا خلاف .
اخبر الله تعالى في هذه الآية بأنه الغني . والغني هو الحي الذي ليس
بمحتاج . والغني عن الشئ هو الذي يكون وجود الشئ وعدمه وصحته
وفساده عنده بمنزلة واحدة ، في أنه لا يلحقه صفة نقص . و " ذو الرحمة " يعني
صاحب الرحمة ، وهو تعالى بهذه الصفة لرحمته بعباده .
ثم اخبره عن قدرته وانه لو شاء ان يذهب الخلق بأن يميتهم ويهلكهم
ويستخلف من بعدهم ما يشاء بان ينشئ بعد هلاكهم كما أنشأهم في الأول
من ذرية من تقدمهم . وكذلك ينشئ قوما آخرين من نسلهم وذريتهم ، والجواب
محذوف والكاف في ( كما ) في موضع نصب وتقديره ويستخلف من بعدكم
ما يشاء مثل ما أستخلفكم . وفي ذلك دلالة على أنه يصح القدرة على ما علم أنه
لا يكون لأنه بين انه لو شاء لذهب بهم وأتى بقوم آخرين ولم يفعل ذلك ، فدل
ذلك على أنه يقدر على ما يعلم أنه لا يفعله .
و ( من ) في قوله " ويستخلف من بعدكم " للبدل كقولك : أعطيتك من
التبيان في تفسير القرآن — صفحة 280
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص٢٨٠