قول أكثر المفسرين : منهم ابن جريج والفراء والزجاج والرماني والبلخي
والطبري . وروي عن ابن عباس أنه قال : هم رسل الانس إلى غيرهم من الجن
كما قال تعالى " ولوا إلى قومهم منذرين " ( 2 ) . وقال الضحاك : ذلك يدل
على أنه تعالى ارسل سلا من الجن . وبه قال الطبري واختاره البلخي أيضا ،
وهو الأقوى . وقال الجبائي والحسين بن علي المغربي : المعنى " ألم يأتكم "
يعني معشر المكلفين والمخلوقين " رسل منكم " يعني من المكلفين .
وهذا اخبار وحكاية عما يقال لهم في وقت حضورهم في الآخرة ، وليس
بخطاب لهم في دار الدنيا ، وهم غير حضور ، فيكون قبيحا ، بل هو حكاية
على ما قلناه .
وقوله " يقصون عليكم آياتي " مثل يتلون عليكم دلائلي وبيناتي
" وينذرونكم " يعني يخوفونكم " لقاء يومكم هذا " يعني لقاء ما تستحقونه
من العقاب في هذا اليوم وحصولكم فيه . ثم أخبر تعالى عنهم انهم يشهدون
على أنفسهم بالاعتراف بذلك والاقرار بأن الحياة الدنيا غرتهم ، ويشهدون أيضا
بأنهم كانوا كافرين في دار الدنيا ، فلذلك كرر الشهادة .
ومعنى غرتهم الحياة الدنيا أي غرتهم زينة الدنيا ولذتها وما يرون من
زخرفها وبهجتها .
واستدل بهذه الآية قوم على أن الله لا يجوز ان يعاقب الا بعد ان يرسل
الرسل ، وان التكليف لا يصح من دون ذلك ، وهذا ينتقض بما قلناه من أول
الرسل ، وانه صح تكليفهم وان لم يكن لهم رسل ، فالظاهر مخصوص بمن
علم الله ان الشرع مصلحة له ، فان الله لا يعاقبهم الا بعد ان يرسل إليهم الرسل
ويقيم عليهم الحجة بتعريفهم مصالحهم ، فإذا خالفوا بعد ذلك استحقوا العقاب .
هامش
( 2 ) سورة 46 الأحقاف آية 29 .