ونعني بالبصيرة الحجة البينة الظاهرة . وأما الابصار فهو الادراك ولذلك
يوصف تعالى بأنه مبصر كما يوصف بأنه مدرك ويسمى بأنه بصير ، لأنه يجب
أن يدرك المبصرات إذا وجدت وإنما وصفت الدلالة بأنها جائية وإن كان لا يجوز
أن يقال جاءت الحركة ، ولا جاء السكون ولا الاعتماد ، وغير ذلك من
الاعراض لتفخيم شأن الدلالة حيث كانت بمنزلة الغائب المتوقع حضوره
للنفس كما يقال جاءت العافية وانصرف المرض وأقبل السعد وأدبر النحس .
وقوله " فمن أبصر فلنفسه " يعني من تبين بهذه الحجج بأن نظر فيها
حتى أوجبت له " العلم وتبين بها ، فمنفعة ذلك تعود عليه ولنفسه بما نظر . ومن
عمي فلم ينظر فيها وصدف عنها حتى جهل فعلى نفسه لان عقاب تفريطه لازم
له وحال به ، فسمي العلم والتبيين إبصارا مجازا ، وسمي الجهل عمى توسعا .
وفي ذلك دلالة على أن الخلق غير مجبرين بل هم مخيرون في أفعالهم .
ثم خاطب الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله وأمره بأن يقول لهم " وما أنا عليكم
بحفيظ " يعني برقيب على أعمال العباد حتى يجازيهم بها ، - في قول الحسن - بل
هو شهيد عليهم ، لأنه يرجع إلى الحال الظاهرة التي تقع عليها المشاهدة . قال
الزجاج : هذا قبل أن يؤمر بالقتال . ثم أمر أن يمنعهم بالسيف عن عبادة الأوثان .
وهذه الآية فيها أمر من الله لنبيه أن يقول لهؤلاء الكفار : قد جاءكم
حجج من الله وهو ما ذكره في قوله " فالق الحب والنوى " ( 1 ) إلى هاهنا . وما
يبصرون به الهدى من الضلال ، فمن نظر وعلم فلنفسه نفع ، ومن جهل وعمي
فلنفسه ضر . ولست أمنعكم منه ولا أحول بينكم وما تحتاجون ، وهو
قول قتادة وابن زيد .
قوله تعالى :
وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم
يعلمون ( 105 ) آية بلا خلاف .
هامش
( 1 ) آية 95 من هذه السورة .