تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التبيان في تفسير القرآن — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
إلى واحد من الحواس أفاد ما تلك الحاسة آلة . فيه ألا ترى انهم يقولون : أدركته بأذني يريدون سمعته ، وأدركته بأنفي يريدون شممته وأدركته بفمي يريدون ذقته . وكذلك إذا قالوا : أدركته ببصري يريدون رأيته . واما قولهم أدركت حرارة الميل ببصري فغير معروف ولا مسموع ، ومع هذا ليس بمطلق بل هو مقيد ، لان قولهم حرارة الميل تقييد لان الحرارة تدرك بكل محل فيه حياة ، ولو قال أدركت الميل ببصري لما استفيد به الا الرؤية . وقولهم إن الادراك هو الإحاطة باطل ، لأنه لو كان كذلك لقالوا : أدرك الجراب بالدقيق وأدرك الحب بالماء وأدرك السور بالمدينة لإحاطة جميع ذلك بما فيه ، والامر بخلاف ذلك . وقوله " حتى إذا أدركه الغرق " ( 1 ) فليس المراد به الإحاطة بل المعنى حتى إذا لحقه الغرق ، كما يقولون أدركت فلانا إذا لحقته ، ومثله " فلما تراء الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون " ( 2 ) أي لملحقون ، والذي يدل على أن المدح إذا كان متعلقا بنفي فاثباته لا يكون الا نقصا ، قوله " لا تأخذه سنة ولا نوم ( 3 ) وقوله " ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله " ( 4 ) لما كان مدحا متعلقا بنفي فلو ثبت في حال لكان نقصا . فان قيل كيف يتمدح بنفي الرؤية ومع هذا يشاركه فيها ما ليس بممدوح من المعدومات والضمائر . ؟ قلنا : إنما كان ذلك مدحا بشرط كونه مدركا للابصار وبذلك يميز من جميع الموجودات لأنه ليس في الموجودات ما يدرك ولا يدرك . فان قيل : ولم إذا كان يدرك ولا يدرك يجب أن يكون ممدوحا ؟ قلنا : قد ثبت ان الآية مدحة بما دللنا عليه ، ولابد فيها من وجه مدحة فلا يخلو من أحد وجهين : اما أن يكون وجه المدحة أنه يستحيل رؤيته مع كونه رائيا أو ما قالوه من أنه يقدر على منع الابصار من رؤيته بأن لا يفعل
هامش
( 1 ) سورة 10 يونس آية 90 ( 2 ) سورة 26 الشعراء آية 62 ( 3 ) سورة 2 البقرة آية 256 . ( 4 ) سورة 23 المؤمنون آية 92 .
التبيان في تفسير القرآن — صفحة 224 | الشيخ الطوسي / أحمد حبيب قصير العاملي