فإذا قيل له : أتفعله ؟ بعد ما قد ظهر من أمره وصار في محل من عقد عليه
باقراره .
فان قيل : ما الفرق بين انتهوا عن شرب الخمر ، وبين لا تشربوا الخمر ،
قلنا : لأنه إذا قال : انتهوا دل ذلك على أنه مريد لامر ينافي شرب الخمر .
وصيغة النهي إنما تدل على كراهة الشرب ، لأنه قد ينصرف عن الشرب إلى
أخذ أشياء مباحة ، وليس كذلك المأمور به ، لأنه لا ينصرف عنه إلا في محذور .
والمنهي عنه قد ينصرف عنه إلى غير مفروض .
قوله تعالى :
وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فان توليتم
فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين ( 95 ) آية بلا خلاف .
لما أمر الله تعالى باجتناب الخمر والميسر والأنصاب والأزلام أمر في
هذه الآية بطاعته في ذلك وغيره من أوامر الله تعالى . والطاعة هي امتثال
الامر ، والانتهاء عن المنهي عنه ، ولذلك يصح أن تكون الطاعة طاعة لاثنين
بأن يوافق أمرهما وإرادتهما .
وقوله " واحذروا " أمر منه تعالى بالحذر ، وهو امتناع القادر من
الشئ لما فيه من الضرر . والخوف هو توقع الضرر الذي لا يؤمن كونه .
والجزع مفاجأة الضرر الذي يزعج النفس مثله . الفزع والرعب مثل الجزع .
وقوله " فان توليتم فاعلموا إنما على رسولنا البلاغ المبين " معناه
الوعيد والتهديد كأنه قال : فاعلموا أنكم قد حق لكم العقاب لتوليكم عما
أدى رسولنا من البلاغ المبين ، يعني الأداء الظاهر الواضح ، فوضح كلام
موضع كلام للايجاز ولو كان على صيغته من غير هذا التقدير لم يصح ، لان
عليهم أن يعلموا ذلك تولوا أو لم يتولوا . و " ما " في قوله : " أنما " كافة
التبيان في تفسير القرآن — صفحة 19
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص١٩