تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التبيان في تفسير القرآن — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
والثاني - أن يكون عنى انهم صم وبكم في الظلمات في الدنيا ، فمتى أريد الأول كان ذلك حقيقة ، لأنه تعالى لا يمتنع ان يجعلهم صما بكما في الظلمات ، ويضلهم بذلك عن الجنة وعن الصراط الذي يسلكه المؤمنون إليها ويصيرهم إلى النار . وان أريد به الوجه الثاني ، فإنه يكون مجازا وتوسعا . وإنما شبههم بالصم والبكم الذين في الظلمات ، لان المكذبين بآيات الله لا يهتدون إلى شئ مما ناله المؤمنون من منافع الدين ولا يصلون إلى ذلك ، كما أن الصم البكم الذين في الظلمات لا يهتدون إلى شئ من منافع الدنيا ولا يصلون إليها ، فتشبيههم من هذا الوجه بالصم البكم . وقال البلخي " صم وبكم في الظلمات " معناه في الجهل والشرك والكفر وقوله " من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم " لا يجوز أن يكون على عمومه ، لأنا قد علمنا أن الله تعالى لا يشاء ان يضل الأنبياء والمؤمنين ولا يهدي الكافرين ، لكن قد بين تعالى في موضع آخر من الذي يشاء ان يضله ، فقال " وما يضل به الا الفاسقين " ( 1 ) وقال " ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء " ( 2 ) وقال " والذين اهتدوا زادهم هدى " ( 3 ) وقال : " يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام " ( 4 ) وقال " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا " ( 5 ) . وقوله " ومن يشأ الله يضلله " هاهنا يحتمل أمرين : أحدهما - " من يشأ الله يضلله " أي من يشأ يخذله بأن يمنعه ألطافه وفوائده ، وذلك إذا واتر عليه الأدلة وأوضح له البراهين فأعرض عنها ولم يمعن النظر فيها ، فصار كالأصم الأعمى ، فحينئذ يشاء أن يضله بان يخذله . والثاني - من يشأ الله اضلاله عن طريق الجنة ، ونيل ثوابها يضلله على
هامش
( 1 ) سورة 2 البقرة آية 26 ( 2 ) سورة 14 إبراهيم آية 27 ( 3 ) سورة 47 محمد آية 17 ( 4 ) سورة 5 المائدة آية 18 ( 5 ) سورة 29 العنكبوت آية 69 .
التبيان في تفسير القرآن — صفحة 131 | الشيخ الطوسي / أحمد حبيب قصير العاملي