أبو علي : ذلك مخصوص بمن علم الله من حاله أن له في بعثه الأنبياء لطفا ، لأنه إذا
كان كذلك متى لم يبعث إليهم نبيا يعرفهم ما فيه لطفهم ، كان في ذلك أتم الحجة
عليه ( تعالى ) وذلك يفسد قول من قال : في مقدوره من اللطف ما لو فعله بالكافر
لآمن به ، لأنه لو كان الامر على ما قالوه ، لكانت لهم الحجة بذلك علي الله ( تعالى )
قائمة . فاما من لم يعلم من حاله ان له في انفاذ الرسل إليه لطفا ، فالحجة قائمة عليه
بالعقل ، وأدلته على توحيده ، وصفاته وعدله ، ولو لم تقم الحجة بالعقل ولا قامت
إلا بانفاذ الرسل ، لفسد ذلك من وجهين :
أحدهما - ان صدق الرسل لا يمكن العلم به الا بعد تقدم العلم بالتوحيد والعدل
فان كانت الحجة ، لم تقم عليه بالعقل فكيف الطريق له إلى معرفة النبي صلى الله عليه وآله وصدقه .
والثاني - انه لو كانت الحجة لا تقوم الا بالرسول لاحتاج الرسول أيضا إلى
رسول آخر حتى تقوم عليه الحجة . والكلام في رسوله كالكلام في هذا الرسول
ويؤدي ذلك إلى ما لا يتناهى . وذلك فاسد فمن استدل بهذه الآية على أن التكليف ،
لا يصح بحال الا بعد انفاذ الرسل ، فقد أبعد على ما قلناه . وقوله : " وكان الله
عزيزا حكيما " معناه انه مقتدر على الانتقام ممن يعصيه ويكفر به لا يمنعه منه مانع
لعزته حكيم فيما امر به خلقه وفي جميع افعاله .
قوله تعالى :
( كن الله يشهد بما انزل إليك أنزله بعلمه والملائكة
يشهدون وكفى بالله شهيدا ) ( 166 ) آية .
قال الزجاج : الرفع مع تخفيف ( لكن ) والنصب مع تشديده جائز ، لكن لم
يقرأ بالتشديد أحد .
ومعنى " لكن الله يشهد " أي يبين ما تشهد به ويعلم مع ابانته انه حق .
التبيان في تفسير القرآن — صفحة 395
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص٣٩٥