تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التبيان في تفسير القرآن — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
خطاب لجميع الحاج أن يفيضوا من حيث أفاض إبراهيم ( ع ) من المزدلفة . والأول إجماع ، وهذا شاذ ، وليس لاحد أن يقول على الوجه الاخر : كيف يقال لإبراهيم وحده الناس ، وذلك أن هذا جائر كما قال : " الذين قال لهم الناس " ( 1 ) وإنما كان واحدا بلا خلاف : وهو نعيم بن مسعود الأشجعي ، وذلك مستعمل . وقيل إن إبراهيم لما كان إماما ، كان بمنزلة الأمة التي تتبع في سنة . فان قيل : إذا كانت ( ثم ) للترتيب ، فما معنى الترتيب هاهنا ؟ ؟ لنا : الذي رواه أصحابنا أن هاهنا تقديما ، وتأخيرا . وتقديره " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم " " ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس " " فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام " " واستغفروا الله إن الله غفور رحيم " . وقال قوم : المعنى " ثم أفيضوا " من المزدلفة . والذي أجاب به المتأولون : أن قالوا : رتبت الإفاضة بعد المعنى الذي دل الكلام الأول عليه ، كأنه قيل : أحرموا بالحج على ما بين لكم " ثم أفيضوا " يا معشر قريش " من حيث أفاض الناس " بعد الوقوف بعرفة . وهذا قريب مما قلناه . وإنما عدل الذي تأوله على الإفاضة من المزدلفة ، لأنه رآه بعد قوله ، فإذا أفضتم من عرفات ، قال : فأمروا أن يفيضوا من المزدلفة بعد الوقوف بها ، كما أمروا في عرفة ، وقد بينا ترتيب الكلام في التأويل المختار . والاستغفار هو طلب المغفرة ، كما أن الاستخبار : طلب السؤال . والمغفرة : التغطية للذنب بايجاب المثوبة . وقيل في معنى الاستغفار قولان : أحدهما - الحض عليه في تلك المواطن الشريفة ، لأنها خليقة بالإجابة . الثاني - استغفروه لما سلف من مخالفتكم في الوقوف والإفاضة ، كما سنه الله تعالى للناس عامة . والفرق بين غفور وغافر أن في غفور مبالغة لكثرة المغفرة ، فأما غافر ، فيستحق الصفة فيه بوقوع الغفران . والعفو هو المغفرة . وقد فرق بينهما بأن العفو ترك العقاب على الذنب ، والمغفرة تغطية الذنب بايجاب المثوبة . ولذلك كثرت المغفرة في صفات الله تعالى ، دون صفات العباد ، فلا يقال : استغفر السلطان كما يقال : استغفروا الله .
هامش
( 1 ) سورة آل عمران آية 172 .