تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تسديد الأصول — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
وطريقا في الجملة ، وليست طريقيته على القول بها من المخترعات الشرعية ، وحينئذ فإذا ألقيت عليهم مثل الآية المباركة يفهمون منها - بملاحظة التعليق على الشرط المذكور فيها - أن النبأ إن جاء به الفاسق يجب مقدمة للعمل التبين عنه ، وإلا فلا ، فموضوعها النبأ الكلي الذي قد يجوز أن يأتي به الفاسق وغيره ، وأفادت الآية أنه إن كان الجائي به فاسقا وأتى هو به فلا يجوز العمل به إلا بعد التبين ، ومفهومه الواضح جواز العمل به إن لم يكن الجائي به فاسقا ، وعليه فليس الشرط شرطا محققا للموضوع ، إذ المراد به ما كان مساوقا ومساويا في الوجود لموضوع الحكم ، كما في قولك : " إن ركب الأمير فخذ ركابه " ، و " إن رزقت ولدا ذكرا فاختنه " ، والموضوع هنا هو النبأ الكلي ، وهو ليس مساوقا لموضوع وجوب التبين عن نبأ الفاسق ، لإمكان تحققه بإتيان غير الفاسق به ، فمجئ الفاسق بالنبأ وإن كان محققا لبعض مصاديقه إلا أنه لا يوجب أن يكون من الشرط المحقق للموضوع الذي لا مفهوم له عرفا إلا مع المساوقة والمرادفة المذكورة ، وهي غير متحققة فلا بأس بانعقاد المفهوم له . فالإيراد الأول الذي جعله الشيخ غير قابل للاندفاع مندفع بالمرة . وأما إيراده الثاني فملخصه : أن تعليل لزوم التبين وعدم الحجية بإصابة القوم بجهالة والندامة عليها جار في خبر غير العادل أيضا ، إذ هو أيضا لا يوجب العلم ، والمتبع هو عموم التعليل ، فيمنع عن انعقاد المفهوم . وحاصل الجواب عنه : أن خبر غير الفاسق الذي تدل الآية على حجيته . حجة وطريق عند العقلاء أيضا ، والعقلاء يعبرون عن جميع الطرق المعتبرة عندهم بالعلم ، سواء في ذلك الظواهر وخبر الثقات وغيرهما ، ويرون مفهوم العلم عاما للقطع الذي لا يحتمل الخلاف ، ولموارد قيام الطرق المعتبرة ، وإذا اعتبروا شيئا طريقا يرون قيام هذا الطريق على شئ وصولا إلى الواقع ، لا بمعنى تنزيل شئ منزلة آخر ، بل بمعنى واقع الوصول ، كما في القطع حرفا بحرف ، وحينئذ فالآية المباركة إذا ألقيت إليهم فهموا منها - بمقتضى الشرطية المذيلة بالتعليل المذكور -
تسديد الأصول — صفحة 79 | الشيخ محمد المؤمن القمي