تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تسديد الأصول — صفحة 487

مساهمون:

ص٤٨٧
المتعادلين فلا ريب في أن التخيير إنما هو المجتهد بالنسبة إلى عمل نفسه إذا كان مدلول المتعارضين متعلقا بما هو عمل له أيضا ، كما أن له التخيير في الأخذ بأي من المتعارضين شاء إذا كان في مقام القضاء ، فإن القضاء والحكم وظيفة له واجب عليه بعد تمام شرائطه ، ويجب أن يكون مطابقا للشرع ، وحكمه موضوع ترتيب الأثر شرعا وواجب الاتباع للمتخاصمين وغيرهما ، فإذا كان الحكم الشرعي يؤخذ من المتعارضين ، فلا محالة هو مخير في الأخذ بأي منهما شاء ، وهو واضح كسابقه بلا إشكال . وإنما الكلام في المجتهد المفتي ، فهل عليه أن يفتي بمضمون المتعارضين وبتخيير المقلد في الأخذ بأيهما شاء ؟ أو عليه أن يختار أحد المتعارضين ، فيفتي بمضمونه تعيينا - في مرحلة الظاهر - أو هو مخير بينهما ؟ وجوه ، أقواها الأول ، وذلك لما سيأتي تفصيله - إن شاء الله تعالى - في مبحث الاجتهاد والتقليد من أن حقيقة التقليد هي الرجوع إلى أهل الخبرة ، فالمجتهد المفتي بما أنه ثقة خبير يكون قوله طريقا إلى الأحكام الشرعية ، أي إلى مفاد الأدلة المتضمنة لها ، فأخبار الثقات وظواهر الكلمات والجمع العرفي بين الظواهر كلها معتبرة بما أنها طرق إلى الواقع الذي هو مفادها ، وأخبار العلاج أيضا طرق معتبرة إلى ما جعله الشارع وظيفة كل مكلف في تعارض الأخبار . فإذا اجتهد المفتي واستنبط حكم الله من هذه الطرق فهو إنما يخبر عن مؤداها ، وقوله بما أنه خبير ثقة طريق معتبر لمن يقلده ، فلا محالة إذا كان الطريق بلا معارض دالا على حكم من أحكام الشريعة فلا محالة يفتي به ، أي يخبر عن أن هذا الحكم الكذائي هو مفاد الطرق ، وقوله هذا طريق وحجة ، وإذا تعارض الطريقان وقد حكم الشارع بتخيير المكلفين في الأخذ بمفادهما ، فلا محالة يخبر عن واقع ما جعله الله وظيفة عليهم ، وليست عنده إلا أنهم مخيرون في مرحلة الظاهر بالعمل بأي المفادين شاؤوا ، وإخباره هذا طريق معتبر لمن يقلده ، وليس له أن يخبر إلا عما أدركه ، فليس له أن يخبر إلا بهذا التخيير الذي جعله الله وظيفة