تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تسديد الأصول — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦
الواقع هي الحرمة وقام الطريق على خلافه فتجويز فعله مناقض للحرمة الواقعية . والجواب الحق هنا أيضا : أن الأحكام الشرعية وغيرها أحكام قانونية وقوانين مجعولة ، ولها - بما أنها قوانين وأحكام - مرتبتان : مرتبة الإنشاء الذي ينشأ ويجعل فيها القانون ولا يودع بيد الإجراء ، بلحاظ أن الزمان المنظور لإجرائه سنتان بعد ذلك ، مثلا . ومرتبة الفعلية التي يجعل فيها القانون بيد الإجراء ، بحيث يجب العمل به والحركة على طبقه على من اجتمع شرائط التكليف وحدود موضوعه . فهاتان المرتبتان قد اختلف فيهما جوهر الحكم ، حيث لا يطلب منه في المرتبة الأولى أن يعمل به مع أنه حكم وقانون حقيقة ، بخلاف الثانية المطلوب فيها ذلك ، ولذلك فالعلم بالحكم الإنشائي لا يؤثر في حق العالم أن يؤاخذ على مخالفته ، إذ المفروض أنه لم يحن بعد حين العمل به ، بخلاف الحكم الفعلي فإن العالم به يؤاخذ على مخالفته . وأما مرتبة الاقتضاء المذكور في كلامهم فليس فيها من الحكم أثر ، كما أن مرتبة التنجز . لا يكون للحكم فيها حالة جديدة ، بل ترتب العقاب على الخلاف من آثار نفس فعلية الحكم إذا قامت حجة إليه على المكلف . وكيف كان فالأحكام التي بينها النبي والأئمة ( عليهم السلام ) للأمة الإسلامية إنما هي أحكام فعلية أنشئت وبينت للأمة حتى يعملوا بها ، فإذا تخلفت الأمارة عن الواقع فالحكم الواقعي حكم فعلي والأمارة قد أخطأت ولم تصل ولم توصل إليه ، ولازمها تجويز مخالفة الحكم الفعلي ، وهو مصب الإشكال . وحله : أن حقيقة الأحكام الشرعية قوانين مجعولة كالقوانين المجعولة في مجالس وضع القوانين العقلائية ، ومن الواضح فيها أنها وإن كانت مبتنية على مصالح وملاكات إلا أن حقيقتها ليست إلا مجعولات اعتبارية عقلائية ليس قوامها بإرادة من المقننين متعلقة بالأفعال الموضوعة لها ، بل إنها بنفسها قوانين ، وإنما إرادة المقنن تتعلق بجعلها ووضعها ، لا بالأفعال أو التروك المتعلقة لها ، ونفس هذه
تسديد الأصول — صفحة 36 | الشيخ محمد المؤمن القمي