تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تسديد الأصول — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
التكليف لعله مما كبا فيه الجواد ، فإنه ( قدس سره ) ممن قد أوضح فعلية التكاليف في موارد الجهل بها ، وأن الجهل ونحوه من قبيل العذر المقبول عن المكلف في مخالفته . وكيف كان فلا ينبغي الريب في أن العلم الإجمالي بيان تام عند العقلاء ، لا يجوز معه إجراء قاعدة قبح العقاب بلا بيان ، لا بالنسبة إلى المخالفة القطعية ولا الاحتمالية ، ولو كان كلام فإنما هو في إمكان الترخيص في الخلاف عقلا وثبوتا ، وعلى تقدير الإمكان فهل دل دليل على هذا الترخيص إثباتا ؟ فنقول : أما مقام الثبوت فقد شاع في كلمات الأعاظم ، الشيخ الأعظم ومن بعده ( قدس سرهم ) : أن ترخيص الاقتحام في جميع أطراف العلم إذن في المعصية ، وهو قبيح لا يمكن الإقدام عليه من الشارع الأقدس تبارك وتعالى . لكنك خبير بأن منشأ هذا الاستقباح ليس مجرد وجود الحكم الفعلي الواقعي ، فإنه ربما كان الحكم الواقعي موجودا في مورد الشك وقد رخص الشارع في خلافه ، كما يدل عليه مثل قولهم ( عليهم السلام ) : " كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال أبدا حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه " ، بل منشأه كما صرحوا به أن العلم الإجمالي به موجب لحسن العقاب عليه فيصير به منجزا ويكون مخالفته معصية فعلية ، والاذن في المعصية قبيح . والحق أن مجرد العلم بالتكليف - ولو التفصيلي منه - ليس علة تامة لتنجزه ، بل لا بأس بالترخيص في مخالفته لجهات خاصة تقتضيه ويعلمها الشارع ، فإنه لا بأس بجعل الإكراه والنسيان - مثلا - عذرا مجوزا لمخالفة التكليف الموجود المعلوم وكذلك لا بأس بجعل الجهل بالتكليف بمعناه العام الشامل للموجود منه في أطراف العلم الإجمالي عذرا موجبا للترخيص في الخلاف ، كما هو كذلك في الموجود منه في الشبهات البدوية قطعا ، بعد ما عرفت من اشتراك التكليف بين العالم والجاهل . ومن الواضح أنه بعد الترخيص من ناحية المولى فلا يكون مخالفة التكليف معصية ، ولو وقع هذا الترخيص العام لكان سره أن الشريعة سمحة سهلة .