تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روضة الطالبين — صفحة 448

مساهمون:

ص٤٤٨
في انهزامه كسر المسلمين ، لم يجز الانهزام بحال ، وإلا ففيه التفصيل الآتي إن شاء الله تعالى ، ولم يتعرض الجمهور لذلك بل قالوا : إذا التقى الصفان ، فله حالان ، أحدهما : أن لا يزيد عدد الكفار على ضعف عدد المسلمين بل كانوا مثلي المسلمين أو أقل ، فتحرم الهزيمة والانصراف إلا متحرفا لقتال ، أو متحيزا إلى فئة ، فالمتحرف : من ينصرف ليكمن في موضع ، ويهجم ، أو يكون في مضيق ، فينصرف ليتبعه العدو إلى متسع سهل للقتال ، أو يرى المصلحة في التحول إلى مضيق ، أو يتحول من مقابلة الشمس والريح إلى موضع يسهل عليه القتال . والمتحيز إلى فئة : من ينصرف على قصد أن يذهب إلى طائفة يستنجد بها في القتال ، وسواء كانت تلك الطائفة قليلة أو كثيرة ، قريبة أو بعيدة ، وقيل : يشترط قربها ، والصحيح الأول ، وعلى هذا هل يلزمه تحقيق عزمه بالقتال مع الفئة المتحيز إليها ؟ وجهان ، أصحهما : لا ، لأن العزم مرخص ، فلا حجر عليه بعد ذلك ، والجهاد لا يجب قضاؤه ، وفي كلام الامام ، أن التحيز إنما يجوز إذا استشعر المتحيز عجزا محوجا إلى الاستنجاد لضعف المسلمين ، ولعل ما حكيناه عن الغزالي أخذه من هذا ، ولم يشترط الأصحاب ما ذكراه وكأنهم رأوا ترك القتال والانهزام في الحال مجبورا بعزمه ، وكل واحد من التحرف والتحيز يتضمن العزم على العود إلى القتال ، والرخصة منوطة بعزمه ، ولا يمكن مخادعة الله تعالى في العزم ، هذا الذي ذكرناه من تحريم الهزيمة إلا لمتحرف أو متحيز هو في حال القدرة ، أما من عجز بمرض ونحوه ، أو لم يبق معه سلاح ، فله الانصراف بكل حال ، ويستحب أن يولي متحرفا أو متحيزا ، فإن أمكنه الرمي بالأحجار ، فهل تقوم مقام السلاح ؟ وجهان . قلت : أصحهما : تقوم . والله أعلم . ولو مات فرسه وهو لا يقدر على القتال راجلا ، فله الانصراف ، ومن غلب على ظنه أنه إن ثبت قتل ، هل له الانصراف ؟ وجهان ، الصحيح : المنع ، ثم المتحيز إلى فئة بعيدة لا يشارك الجيش فيما يغنمونه بعد مفارقته ، ولا يبطل حقه مما غنموه قبل مفارقته ، هكذا نص عليه ، وبمثله أجاب في المتحرف ، ومنهم من أطلق بأن المتحرف يشارك ، ولعله فيمن لم يبعد ، ولم يغب ، والنص فيما إذا تحرف ، ثم انقطع عن القوم قبل أن يغنموا ، وهل يشارك المتحيز إلى فئة قريبة فيما غنموه بعد
روضة الطالبين — صفحة 448 | النووي / الشيخ عادل أحمد عبد الموجود / الشيخ علي محمد معوض