تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روضة الطالبين — صفحة 411

مساهمون:

ص٤١١
وأما اليوم فهو ضربان ، أحدهما : أن يكون الكفار مستقرين في بلدانهم ، فهو فرض كفاية ، فإن امتنع الجميع منه ، أثموا ، وهل يعمهم الاثم ، أم يختص بالذين يدنوا إليه ؟ وجهان . قلت : الأصح أنه يأثم كل من لا عذر له كما سيأتي بيان الاعذار إن شاء الله تعالى . والله أعلم . وإن قام من فيه كفاية ، سقط عن الباقين . وتحصل الكفاية بشيئين . أحدهما : أن يشحن الامام الثغور بجماعة يكافئون من بإزائهم من الكفار ، وينبغي أن يحتاط بإحكام الحصون وحفر الخنادق ونحوهما ، ويرتب في كل ناحية أميرا كافيا يقلده الجهاد وأمور المسلمين . الثاني : أن يدخل الامام دار الكفر غازيا بنفسه ، أو بجيش يؤمر عليهم من يصلح لذلك ، وأقله مرة واحدة في كل سنة ، فإن زاد فهو أفضل ، ويستحب أن يبدأ بقتال من يلي دار الاسلام من الكفار ، فإن كان الخوف من الأبعدين أكثر ، بدأ بهم ، ولا يجوز إخلاء سنة عن جهاد إلا لضرورة ، بأن يكون في المسلمين ضعف وفي العدو كثرة ، ويخاف من ابتدائهم الاستئصال ، أو لعذر بأن يعز الزاد وعلف الدواب في الطريق ، فيؤخر إلى زوال ذلك ، أو ينتظر لحاق مدد ، أو يتوقع إسلام قوم ، فيستميلهم بترك القتال ، هذا ما نصر عليه الشافعي ، وجرى عليه الأصحاب رحمهم الله ، وقال الامام : المختار عندي في هذا مسلك الأصوليين ، فإنهم قالوا : الجهاد دعوة قهرية ، فيجب إقامته بحسب الامكان حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم ، ولا يختص بمرة في السنة ، ولا يعطل إذا أمكنت الزيادة ، وما ذكره الفقهاء حملوه على العادة الغالبة ، وهي أن الأموال والعدد لا تتأتى لتجهيز الجنود في السنة أكثر من مرة ، ثم إن تمكن الامام من بث الأجناد للجهاد في جميع الأطراف ، فعل ، وإلا فيبدأ بالأهم فالأهم ، وينبغي له أن يرعى النصفة بالمناوبة بين الأجناد في الاغزاء ، ويسقط الوجوب في هذا الضرب بأعذار . منها : الصغر والجنون والأنوثة ، وللامام أن يأذن للمراهقين والنساء في الخروج ، وأن يستصحبهم لسقي الماء ومداواة المرضى ومعالجة الجرحى ، ولا يأذن للمجانين بحال ، ولا جهاد على الخنثى .