تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سبل الهدى والرشاد — صفحة 351

مساهمون:

ص٣٥١
تعالى شرفا ، لم تكن لمن قبلنا ، هذا هو الصحيح المشهور الذي قطع به أصحابنا كلهم ، وجماهير العلماء ، وقاله الحافظ في الفتح ، وجزم بذلك ابن حبيب ، وغيره من المالكية ، ونقله صاحب ( العمدة ) من الشافعية عن الجمهور ورجحه ، قال : وسميت ليلة القدر أي : ليلة الحكم ، والفصل ، وقيل : لعظم قدرها ، قال : ويراها من شاء الله تعالى من بني آدم ، كما تظاهرت عليه الأحاديث ، وأخبار الصالحين ، قال : وأما قول المهلب بن أبي صفرة الفقيه المالكي : لا يمكن رؤيتها حقيقة ، فغلظ . انتهى . وقال مالك في ( الموطأ ) : بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أري أعمار الناس قبله ، أو ما شاء الله من ذلك ، فكأنه تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل الذي بلغ غيرهم في طول العمر ، فأعطاه الله تعالى ليلة القدر خيرا من ألف شهر . روى الديلمي عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ان الله وهب لامتي ليلة القدر ، ولم يعطها أحدا ممن كان قبلكم ) . وروى ابن أبي حاتم عن عروة رضي الله عنه قال : ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما أربعا من بني إسرائيل عبدوا الله تعالى ثمانين عاما لم يعصوه طرفة عين ، فعجب الصحابة من ذلك ، فأتاه جبريل ، فقال : قد أنزل الله تبارك وتعالى عليك خيرا من ذلك ليلة القدر خيرا من ألف شهر ، هذا أفضل من ذلك ، فسر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس معه . وروى ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق ، عن مجاهد رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه ذكر رجلا من بني إسرائيل كان يقوم الليل حتى يصبح ، ويجاهد القوم بالنهار حتى يمسي ، فعل ذلك ألف شهر ، فعجب المسلمون من ذلك فأنزل الله تعالى هذه الآية : ( ليلة القدر خير من ألف شهر ) ( القدر 2 ) ، فقيام تلك الليلة خير من عمل ذلك الرجل ألف شهر . قلت : أشار الحافظ في الفتح إلى تضعيف قول من قال ، انها خاصة بهذه الأمة ، قال : وعمدة من قال بهذا القول أثر مالك إلى السابق ، وهو محتمل للتأويل فلا يدفع التصريح من حديث أبي ذر عند النسائي قال : قلت يا رسول الله أتكون مع الأنبياء ، فإذا ماتوا رفعت أم هي باقية إلى يوم القيامة ؟ قال : بل هي باقية إلى يوم القيامة . قال شيخنا في شرح الموطأ : وهذا الحديث الذي ذكره أيضا محتمل التأويل ، وهو أن مراده هل يختص بزمن النبي صلى الله عليه وسلم أم ترفع بعد موته بقرينة مقابلة ذلك بقوله : أم هي باقية إلى يوم القيامة ، فلا يكون فيه معارضة لاثر الموطأ . وقد ورد ما يعضده ، ففي فوائد أبي طالب المكي من حديث أنس رضي الله عنه : ( أن الله تعالى وهب لامتي ليلة القدر ولم يعطها من كان قبلهم ) .