وبسط الشيخ رحمه الله تعالى الكلام على ذلك في " مسالك الحنفا " ويأتي لهذا مزيد
بيان إن شاء الله تعالى في باب وفاة أمه صلى الله عليه وسلم .
خاتمة
وجمع من العلماء لم تقو عندهم هذه المسالك فأبقوا حديث مسلم ونحوه على
ظاهرها من غير عدول عنها بدعوى نسخ ولا غيره ، ومع ذلك قالوا : لا يجوز لأحد أن يذكر
ذلك .
قال السهيلي في الروض الأنف بعد إيراده حديث مسلم : وليس لنا نحن أن نقول ذلك
في أبويه صلى الله عليه وسلم : " لا تؤذوا الأحياء بسب الأموات " ( 1 ) وقال تعالى : ( إن الذين يؤذون الله
ورسوله ) الآية .
وسئل القاضي أبو بكر بن العربي أحد الأئمة المالكية رحمه الله تعالى عن رجل قال : إن
أبا النبي صلى الله عليه وسلم في النار . فأجاب : بأن من قال ذلك فهو ملعون لقوله تعالى : ( إن الذين يؤذون
الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة ) قال ولا أذى أعظم من أن يقال عن أبيه : إنه في
النار .
ومن العلماء من ذهب إلى قول خامس وهو الوقف . قال الشيخ تاج الدين الفاكهاني في
كتابه " الفجر المنير " : الله أعلم بحال أبويه صلى الله عليه وسلم . وقال الباجي ( 2 ) في شرح الموطأ : قال بعض
العلماء : إنه لا يجوز أن يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم بفعل مباح ولا غيره ، وأما غيره من الناس فيجوز أن
يؤذي بمباح وليس له المنع منه ، ولا يأثم فاعل المباح وإن وصل ذلك إلى أذى غيره . قال :
ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد علي ابن أبي طالب أن يتزوج ابنة أبي جهل : " إنما فاطمة بضعة
مني وإني لا أحرم ما أحل الله ، ولكن لا والله لا تجتمع ابنة رسول الله وابنة عدو الله عند
رجل أبدا " . فجعل حكمها في ذلك حكمه أنه لا يجوز أن تؤذي بمباح . واحتج على ذلك
بقوله تعالى : ( إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا
مهينا . والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما
مبينا ) فشرط على المؤمنين أن يؤذوا بغير ما اكتسبوا . وأطلق الأذى في خاصة النبي صلى الله عليه وسلم من
غير شرط . انتهى .
هامش
( 1 ) ذكره المتقي الهندي في الكنز ( 37417 ) .
( 2 ) سليمان بن خلف بن سعد التجيبي القرطبي ، أبو الوليد الباجي : فقيه مالكي كبير ، من رجال الحديث . أصله من
بطليوس ومولده في باجة بالأندلس . رحل إلى الحجاز سنة 426 ه ، فمكث ثلاثة أعوام . وأقام ببغداد ثلاثة أعوام ،
وبالموصل عاما ، وفي دمشق وحلب مدة . وعاد إلى الأندلس ، فولي القضاء في بعض أنحائها . وتوفي بالمرية . من كتبه
" السراج في علم الحجاج " و " إحكام الفصول ، في أحكام الأصول " . توفي سنة 474 ه . الأعلام 3 / 125 .