وهذا الحديث الذي نحن في ذكره خالف ابن الجوزي فيه كثير من الأئمة والحفاظ
فذكروا أنه من قسم الضعيف الذي يجوز روايته في الفضائل والمناقب ، لا من قسم الموضوع ،
منهم الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي ، والحافظ أبو القاسم ، ابن عساكر والحافظ أبو حفص
ابن شاهين ، والحافظ أبو القاسم السهيلي ، والإمام القرطبي ، والحافظ محب الدين الطبري ،
والعلامة ناصر الدين بن المنير ، والحافظ فتح الدين بن سيد الناس ، ونقله عن بعض أهل العلم .
ومشى عليه الصلاح الصفدي في نظم له والحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي في
أبيات له فقال :
حبا الله النبي مزيد فضل * على فضل وكان به رؤوفا
فأحيا أمه وكذا أباه * لإيمان به فضلا لطيفا
فسلم فالقديم بذا قدير * وإن كان الحديث به ضعيفا
وأخبرني بعض الفضلاء أنه وقف على فتيا بخط شيخ الإسلام ابن حجر أنه أجاب فيها
بهذا ، إلا أني لم أقف على ذلك ، وإنما وقفت على كلامه الذي قدمته في المسلك الثاني .
وقال السهيلي رحمه الله تعالى في أوائل " الروض الأنف " بعد إيراد حديث أنه صلى الله عليه وسلم
سأل ربه أن يحيي أبويه فأحياهما له فآمنا به ثم أماتهما ما نصه : " والله قادر على كل شئ
وليس تعجز رحمته وقدرته عن شئ ونبيه صلى الله عليه وسلم أهل أن يختصه بما شاء من كرامته " . وقال
في موضع آخر من الكتاب في حديث أنه صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة : " لو كنت بلغت معهم الكدى ما
رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك " ما نصه : " في قوله : جد أبيك ولم يقل جدك يعني أباه
تقوية للحديث الضعيف الذي قدمنا ذكره : أن الله تعالى أحيا أمه وأباه وآمنا به " انتهى .
مع أن الحديث الذي أورده السهيلي لم يذكره ابن الجوزي في الموضوعات ، وإنما
أورد ابن الجوزي حديثا آخر من طريق آخر في إحياء أمه فقط وفيه قصة بلفظ غير لفظ
الحديث الذي أورده السهيلي . فعلم أنه حديث آخر مستقل وقد جعل هؤلاء الأئمة هذا
الحديث ناسخا للأحاديث الواردة لما يخالف ذلك ، ونصوا على أنه متأخر عنها فلا تعارض
بينه وبينها .
وقال القرطبي رحمه الله تعالى : فضائل النبي صلى الله عليه وسلم لم تزل تتوالى وتتابع إلى آخر مماته ،
فيكون هذا مما فضله الله به وأكرمه . قال : وليس إحياؤهما وإيمانهما به بممتنع عقلا ولا شرعا ،
فقد ورد في القرآن إحياء قتيل بني إسرائيل وإخباره بقاتله ، وكان عيسى عليه الصلاة والسلام
يحي الموتى وكذلك نبينا صلى الله عليه وسلم قال : وإذا ثبت هذا فما يمتنع من إيمانهما بعد إحيائهما زيادة
في كرامته صلى الله عليه وسلم وفضيلته ؟ .
سبل الهدى والرشاد — صفحة 259
مساهمون: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
ص٢٥٩