فخرج المطلب بن عبد مناف حتى أتى المدينة عشيا ثم خرج براحلته حتى أتى بني
عدي ابن النجار فإذا بغلمان من بين ظهراني المجلس ، فلما نظر إلى ابن أخيه قال : هذا ابن
هاشم ؟ فقال القوم : نعم . وعرف القوم المطلب . فقالوا : نعم هذا ابن أخيك ، فإن كنت تريد
أخذه فالساعة لا تعلم أمه فإنها إن علمت حلنا بينك وبينه . فأناخ راحلته ثم دعاه فقال : يا بن
أخي أنا عمك وقد أردت الذهاب بك إلى قومك فاركب . فوالله ما كذب أن جلس على عجز
الرحل وجلس المطلب على الرحل ثم بعث راحلته فانطلق به . فلما علمت إمه أن عمه ذهب
به علقت تدعو من حزنها على ابنها وقالت :
كنا ولاة حمه ورمه ( 1 ) * حتى إذا قام على أتمه
انتزعوه غيلة من أمه * وغلب الأخوال حق عمه
وقيل إنه أخذه بإذن أمه .
ولما دخل المطلب مكة دخل ضحوة مردفه خلفه والناس في أسواقهم ومجالسهم ،
فقاموا يرحبون به ويقولون : من هذا معك ؟ فيقول هذا عبدي ابتعته بيثرب . ثم خرج به حتى
جاء الحزورة فابتاع له حلة ، ثم أدخله على امرأته خديجة ابنة سعيد بن سعد بن سهم ، فلما
كان العشي ألبسه الحلة ثم أجلسه في مجلس بني عبد مناف وأخبرهم خبره . وجعل بعد ذلك
يخرج في تلك الحلة فيطوف في سكك مكة وكان أحسن الناس وجها فيقولون : هذا عبد
المطلب . لقول المطلب : هذا عبدي . فثبت اسمه عبد المطلب . وترك شيبة .
وكان عبد المطلب يكثر زيارة أخواله ويبرهم .
حمة : بحاء مهملة يجوز ضمها وفتحها يعني قليله . رمة : براء يجوز فتحها وضهما يعني
كثيره .
وروى البلاذري عن محمد بن السائب وغيره قالوا : كان عبد المطلب من حلماء قريش
وحكمائها ، وكان نديمه حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ، وكان في جوار عبد
المطلب يهودي يقال له أذينة وكان اليهودي يتسوق في أسواق تهامة بماله ، فغاظ ذلك حربا
فألب عليه فتيان قريش وقال : هذا العلج الذي يقطع إليكم ويخوض في بلادكم بمال جم
كثير من غير جوار ولا خيل ، والله لو قتلتموه وأخذتم ماله ما خفتم تبعة ولا عرض لكم أحد
يطلب دمه . فشد عليه عامر بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي وصخر بن عمرو بن
كعب بن سعد بن تيم بن مرة فقتلاه . فجعل عبد المطلب لا يعرف له قاتلا ، فلم يزل يبحث
هامش
( 1 ) الحم ما أذيب من الشحم - وما بقي من الشحم المذاب ، وحم الشئ معظمه يقال : ما له حم ولا رم : لا قليل ولا
كثير ، وما لك عن ذلك حم ولا رحم : بد وما له حم ولا سم غيرك : ماله هم غيرك . المعجم الوسيط 1 / 200 .