ساجد إلى ساجد قال : وبهذا التقدير فالآية دالة على أن جميع آباء محمد صلى الله عليه وسلم كانوا مسلمين ،
وحينئذ يجب القطع بأن والد إبراهيم ما كان من الكافرين إنما ذاك عمه ، أقصى ما في الباب أن
يحمل قوله : " وتقلبك في الساجدين " على وجوه أخرى ، وإذا وردت الروايات بالكل ولا منافاة
بينها وجب حمل الآية على الكل ، ومتى صح ذلك ثبت أن والد إبراهيم ما كان من عبدة الأوثان .
قال : ومما يدل على أن آباء محمد صلى الله عليه وسلم . ما كانوا مشركين قوله عليه الصلاة والسلام :
" لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات " وقال تعالى : ( إنما المشركون
نجس ) فوجب أن لا يكون أحد من أجداده صلى الله عليه وسلم مشركا . انتهى كلام الإمام فخر الدين .
قال الشيخ رحمه الله تعالى : وقد وجدت له أدلة قوية ما بين عام وخاص . فالعام مركب
من مقدمتين : إحدهما : أنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن كل جد من أجداده صلى الله عليه وسلم خير
أهل قرنه لحديث البخاري : " بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا ، حتى بعثت من القرن
الذي كنت فيه " وتقدمت أحاديث كثيرة في هذا المعنى في باب العرب وفي باب
طهارة أصله صلى الله عليه وسلم .
الثانية : أنه قد ثبت أن الأرض لم تخل من سبعة مسلمين فصاعدا يدفع الله تعالى بهم
عن أهل الأرض . فروى عبد الرزاق في المصنف وابن المنذر في التفسير بسند صحيح على
شرط الشيخين عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال : " لم يزل على وجه الدهر في
الأرض سبعة مسلمون فصاعدا فلولا ذلك هلكت الأرض ومن عليها " .
وروى الإمام أحمد في الزهد والخلال في كرامات الأولياء بسند صحيح على
شرطهما ، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : ما خلت الأرض من بعد نوح من سبعة
يدفع الله تعالى بهم عن أهل الأرض .
وإذا قرنت بين هاتين المقدمتين أنتج ما قاله الإمام . لأنه إن كان كل جد من
أجداده صلى الله عليه وسلم من جملة السبعة المذكورين في زمانه فهو المدعى . وإن كان غيرهم لزم أحد
أمرين : إما أن يكون غيرهم خيرا منهم ، وهو باطل لمخالفته الحديث الصحيح ، وإما أن يكونوا
خيرا منه وهم على الشرك وهو باطل بالإجماع ، وفي التنزيل : ( ولعبد مؤمن خير من مشرك )
فثبت أنهم على التوحيد ليكونوا خير أهل الأرض كل في زمانه .
وأما الخاص فروى ابن سعد في الطبقات عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : " ما
بين نوح إلى آدم من الآباء كانوا على الإسلام " .
وروى ابن المنذر وابن أبي حاتم والبزار في مسنده والحاكم وصححه ، عن ابن عباس
سبل الهدى والرشاد — صفحة 256
مساهمون: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
ص٢٥٦