أهل الإيواء والنصرة ، وإليكم كانت الهجرة ، وأنتم أصحاب الدار والإيمان ،
والله ما عبد الله علانية إلا عندكم وفي بلادكم ، ولا جمعت الصلاة إلا في
مساجدكم ، ولا عرف الإيمان إلا من أسيافكم ، فاملكوا عليكم أمركم ، فإن
أبى هؤلاء فمنا أمير ومنهم أمير .
فقال عمر : هيهات لا يجتمع سيفان في غمد ، إن العرب لا ترضى أن
تؤمركم ونبيها من غيركم ، وليس تمتنع العرب أن تولي أمرها من كان النبوة
فيهم ، وأولوا الأمر منهم ، لنا بذلك الحجة الظاهرة على من خالفنا ،
والسلطان المبني على من نازعنا ، من ذا يخاصمنا في سلطان محمد
وميراثه ، ونحن أولياؤه وعشيرته ، إلا مدل بباطل ، أو متجانف لإثم ، أو متورط
في هلكه .
فقام الحباب وقال : يا معشر الأنصار ، لا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه
فيذهبوا بنصيبكم من الأمر ، فإن أبوا عليكم ما أعطيتموهم فأجلوهم عن
بلادكم وتولوا هذا الأمر عليهم ، فأنتم والله أولى الناس بهذا الأمر منهم ،
أنه وإن لهذا الأمر بأسيافكم من لم يكن يدين له ، أنا جذيلها المحكك
وعذيقها المرجب إن شئتم لنعيد عنا جزعه ، والله لا يرد أحد على ما
أقول إلا حطمت أنفه بالسيف .
قال : فلما رأى بشر بن سعد الخزرجي ، ما اجتمعت عليه الأنصار من
تأمير سعد بن عبادة ، وكان حاسدا له وكان من سادة الخزرج ، قام فقال :
هامش
( 1 ) جمهرة خطب العرب 1 : 176 .
( 2 ) نفس المصدر .
( 3 ) في عبارة : فأجلوهم عن هذه البلاد .
( 4 ) الجذيل : تصغير الجذل - بالكسر - وهو أصل الشجرة ، وعود ينصب للإبل الجربى لتحتك به
وتتمرس ، والمحك الذي تتحكك به . والعذيق تصغير العذق - بالفتح - وهو النخلة .
والمرجب : الذي جعل له وجبة ، وهي دعامة تبنى حولها من الحجارة ، وذلك إذا كانت
النخلة كريمة وطالت تخوفوا عليها أن تنقعر من الرياح العواصف ، والتصغير هنا يراد به
التكبير والتعظيم ، وهو مثل ، والمراد أنه رجل يستشفى برأيه وعقله .
( 5 ) الجذعة : الشابة الفتية ، يريد الحروب والغارات .