ولما وضح عندنا منهم الاستمرار على ذلك والإصرار ، أنكرنا عليهم أشدّ إنكار ، ورأينا أن نتّبع فيهم ما أمر اللَّه تعالى به في الكتاب والسّنّة ، وأبينا [ إلا معاملتهم ] ( 1 ) بأحكام الملَّة المحمّديّة التي كم لها على الملتين العيسويّة والموسويّة من منّة ، وادّخر اللَّه تعالى لنا هذه الحسنة التي هي من جملة الفتوحات التي يفتح اللَّه تعالى بها لنا في الدّنيا أبواب السّعادة وفي الآخرة أبواب الجنّة ، فاستفتينا في أمرهم المجالس العالية حكَّام الشّريعة المطهّرة ، واقتدينا بأقوال مذاهبهم المحرّرة ، التي لنا بهديها إلى إصابة الصّواب تبصرة ، وعقدنا لهم مجلسا بدار عدلنا الشريف ، وألزمناهم أحكام أهل الذّمّة التي بالتزام أوائلهم لها جرى عليهم حكم هذا التّكليف ، وأخذناهم بالعهد الذي نسوه ، وألبسناهم ثوب الهوان الذي لبسوا [ و ] ( 2 ) لما طال عليهم الزمان نزعوه ولم يلبسوه ، وأجرينا عليهم الآن شروطه المضبوطة ، وقوانينه التي هي من التّبديل والتّغيير محوطة ؛ فمن جاوزها ، فقد شاقق الشّريعة الشريفة وبارزها ، ومن خالفها ، فقد عاند الملَّة الإسلاميّة وواقفها ، ومن صدف عن سبلها وتنكَّبها ، فقد اقترف الكبائر وارتكبها ؛ وحظرنا عليهم أن يجعل أحد منهم له بالمسلمين شبها ، وصيّرنا عليهم الذّلَّة التي ضربها اللَّه تعالى عليهم وأوجبها .
فلذلك رسم بالأمر الشريف العاليّ ، المولويّ ، السّلطانيّ ، الملكيّ ، الصّالحيّ ، الصّلاحيّ - لا زال أمره الممتثل المطاع ، وزجره به عن المآثم امتناع وارتداع ، ورأيه الصالح يريد الإصلاح ما استطاع - أن يعتمد جميع طوائف النّصارى واليهود والسّامرة بالديار المصرية وجميع بلاد الإسلام المحروسة وأعمالها : من سائر الأقطار والآفاق ، وما أخذ على سالفيهم في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب رضي اللَّه عنه من أكيد العهد ووثيق الميثاق :
وهو أن لا يحدثوا في البلاد الإسلامية وأعمالها ديرا ولا كنيسة ولا قلَّاية ولا صومعة راهب ، ولا يجدّدوا فيها ما خرب منها ، ولا يمنعوا كنائسهم التي عوهدوا
هامش
( 1 ) الزيادة من الطبعة الأميرية .
( 2 ) الزيادة من الطبعة الأميرية .