الحق ، والشّهيد على جميع الخلق ، فأدّى إليهم ما استودع من الأمانة ، وبلَّغهم ما حمّل من الرّسالة ؛ فلما أنقذ اللَّه به من التّورّط في الضّلالة ، والتّهوّر في العمى والجهالة ، وأوضح به المعالم والآثار ، ونهج به العدل والمنار ، اختار له ما لديه ، ونقله إلى ما أعدّ له في دار الخلود ، من النّعيم الذي لا ينقطع ولا يبيد ، ثم جعله في لحمته وأهله وراثة بما قلدهم من خلافته في أمّته ، وقدّم لهم شواهد ما اختصّهم به من الفضيلة ، وزلفة الوسيلة ، في كتابه النّاطق ، على لسان نبيّه الصادق ، صلَّى اللَّه عليه وسلَّم - منها ما أخبر به من تطهيره إيّاهم : ليجعلهم لما اختاره معدنا ومحلَّا ، إذ يقول جلّ وعزّ : * ( إِنَّما يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) * ( 1 ) ، ومنها ما أمر اللَّه به رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم من مسألته أمّته المودّة ؛ فقد أوضح لذوي الألباب أنهم موضع خيرته ، بتطهيره إياهم ، وأهل صفوته ، بما افترض من مودّتهم ، وولاة الأمر الذين قرن طاعتهم بطاعته .
ولم يزل اللَّه بعظيم منّه وإنعامه يدعم أركان دينه ، ويشيّد أعلام هداه ، بإعزاز السلطان الذي هو ظلَّه في أرضه ، وقوام عدله وقسطه ، والحجاز الذّائد لهم عن التّظالم والتّغاشم ، والحصن الحريز عند مخوف البوائق وملمّ النّوائب ؛ فليس يكيد ولاته المستقلَّين بحقّ اللَّه فيه كائد ، ولا يجحد ما يجب لهم من حقّ الطاعة جاحد ، إلَّا من انطوى على غشّ الأمّة ، ومحاولة التّشتيت للكلمة .
والحمد للَّه على ما تولَّى به أمير المؤمنين في البدء والعاقبة : من الإدلاء بالحجّة ، والتّأييد بالغلبة ، ( عند نشوه من حيز وطأة الخفض ) ( 2 ) ، متّبعا لكتاب اللَّه حيث سلك به حكمه ، مقتفيا سنّة رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم حيث انسابت أمامه ، باذلا للَّه نفسه ، لا يصدّه وعيد من تكبّر وعتا ، ولا يوحشه خذلان من أدبر وتولَّى ، منتظرا لمن نكث عهده وغدر بيعته والتمس المكر به
هامش
( 1 ) الأحزاب / 33 .
( 2 ) كذا هذه العبارة في الطبعة الأميرية مع علامة توقف . ولعلها : عند نشله الخ . أي انتشاله . فتأمّل .